أنفقه عليه ، وزاده ذلك نفورا وجاهر بالمشاقة والمباينة ، وراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج . ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ووعده النصرة والسعي له في كل ما يريد وضمن له أنه يجعله ملكا مستقلا للفرنج قاطبة ، وكان عنده جماعة من فرسان القمص فأطلقهم . فحل ذلك عنده أعظم محل وأظهر طاعة صلاح الدين ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج ، فاختلفت كلمتهم وتفرق شملهم . وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم واستنقاذ البيت المقدس منهم .
لما كان البرنس ( ارناط ) صاحب الكرك من أعظم الفرنج وأشدهم عداوة للمسلمين وأعظمهم ضررا عليهم ، ولما رأى صلاح الدين ذلك منه ، قصده بالحصر مرة بعد مرة وبالغارة على بلاده كرة بعد أخرى حتى ذل وخضع وطلب الصلح من صلاح الدين فأجابه إلى ذلك وهادنه . وتحالفا وترددت القوافل من الشام إلى مصر ومن مصر إلى الشام ، فلما كان هذه السنة اجتاز به قافلة عظيمة غزيرة الأموال كثيرة الرجال ومعها جماعة صالحة من الجند ، غدر بهم وأخذهم عن آخرهم وغنم أموالهم ودوابهم وسلاحهم وأودع السجون من أسره منهم . فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق الأسرى والأموال . فلم يجب إلى ذلك وأصر على الامتناع فنذر صلاح الدين نذرا أن يقتله إن ظفر به . ولم يكتف ( ارناط ) بنقضه تلك المعاهدة حتى حاول في سنة 583 أمرا آخر وهو أن يقصد الحجاج ليأخذهم من طريقهم حتى إذا فرغ من أخذهم يرجع إلى طريق العسكر المصري يصدهم عن الوصول إلى صلاح الدين . وكان في هذه السنة قد كتب إلى جميع البلاد يستنفر الناس للجهاد وكتب إلى الموصل وديار الجزيرة واربل وغيرها من بلاد الشرق وإلى مصر وسائر بلاد الشام يدعوهم إلى الجهاد ويحثهم عليه ويأمرهم بالتجهز له بغاية الإمكان .
ثم خرج من دمشق أواخر المحرم في عسكرها وحلقتها الخاص ، فسار إلى رأس الماء وتلاحقت به العساكر الشامية ، فلما اجتمعوا جعل عليهم ولده الملك الأفضل عليا ليجتمع إليه من يرد إليه منها ، وسار هو إلى بصرى جريدة ليمنع البرنس ( ارناط ) من طلب الحجاج ، وكان من الحجاج جماعة من أقاربه منهم محمد بن لاجين وهو ابن أخت صلاح الدين وغيره . فلما
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 411
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٤١١