أن الفرنج اجتمعوا واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا فإنهم يكونون آمنين ، فركبوا من وقتهم ولم يتوقفوا حتى تجمّع عساكرهم وساروا مجدين فلم يشعر بذلك المسلمون إلا وقد قربوا منهم فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك ، فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال ، فرهقهم الفرنج بالجملة فلم يثبت المسلمون وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج ، فوصلوا معا إلى العسكر النوري ، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم فأكثروا القتل والأسر . وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم فقاتلوا محتسبين في زعمهم فلم يبقوا على أحد وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه .
وفي سنة 559 لما انهزم نور الدين في وقعة البقيعة كما عرفت وعاد بعسكره كأنهم لم يصابوا وأخذ في الاستعداد للجهاد والأخذ بثأره ، واتفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم إلى مصر أراد أن يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وديار الجزيرة وإلى فخر الدين قرا إرسلان صاحب حصن كيفا وإلى نجم الدين صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم . وقد لبى دعوته البعض وتخلف البعض ، ولما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها ونصب عليها المجانيق وتابع الزحف إليها . فاجتمع من بقي بالساحل من الفرنج فجاؤوا في حدهم وحديدهم وملوكهم وفرسانهم وقسوسهم ورهبانهم ، وأقبلوا إليه من كل حدب ينسلون وكان المقدم عليهم الرئيس بيمند صاحب أنطاكية وقمص صاحب طرابلس وأعمالها وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج والدوك وهو مقدم كبير من الروم .
وجمعوا الفارس والراجل ، فلما قاربوه رحل عن حارم إلى ( ارتاح ) طمعا بأن يتبعوه فيتمكن منهم ويبعدهم عن بلادهم إذا لقوه . فساروا فنزلوا على غمر ثم علموا عجزهم عن لقائه فعادوا إلى حارم . فلما عادوا تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب ، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن ، فانهزم المسلمون وتبعهم الفرنج ، فقيل كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأي دبروه وهو أن يتبعهم الفرنج فيبعدوا عن راجلهم
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 408
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٤٠٨