أو مجلدة لا يتجاوز بضع كراريس من كراساتنا ، والكراسة قد لا تكون أكثر من ثماني صحائف بمعنى أن ألف المجلدة أو المجلد لا تبلغ في مصطلحنا أكثر من خمسين أو ستين أو سبعين كتابا ، فكان المجلد في تلك العصور قليل الأوراق ، لأن الورق أو الرق غليظ فإذا جعل كل مجلد مئتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة ورقة يصعب تناوله وحمله ونقله ، ولا يصح ما قاله ابن الفرات من أنه كان في دار العلم في طرابلس ثلاثة آلاف ألف يوم نكبتها ، إلا على هذه الصورة أي أن كتبها كانت بين مائتين وثلاثمائة ألف ومنها أجزاء صغيرة ورسائل وقد يكون الجزء من كتاب لا تتجاوز سطوره سطور مقالة من مقالاتنا أو إملاءة من أمالينا أو محاضرة أو مسامرة من محاضراتنا ومسامراتنا اليوم » .
وقد عرفت فيما سبق في مبحث تاريخ طرابلس أن الرحالة الفارسي نصري خسرو قد ذكر في رحلته أنه مر بها سنة 438 ه ووصفها في رحلته وصفا دقيقا وذكر من معاملها الكثيرة لمختلف الصناعات معمل لورق الكتابة كمعمل كاغد سمرقند ، وكانت في ذلك العهد في حوزة ملوك مصر الفاطميين وأنهم أعفوها من أداء الضرائب لأمانة أهلها في واقعة سابقة ، انهزم فيها الروم . وفي وجود مثل هذا المعمل للورق ما يسهل على المؤلفين والناسخين التأليف والنسخ وصناعة الوراقة التي كانت تشبه مهنة الصحافة والطباعة في هذه الأيام . أضف إلى ذلك انصراف الهمم في تلك العصور إلى الرغبة في العلم والتعليم وتوفر العزائم على جمع الكتب ، وإذا علمت أن بلاد الشام كانت في ذلك العهد من البلاد التي كان يرتحل إليها في طلب العلم ، وكانت طرابلس من قواعد البلاد الشامية وكان لها شأو رفيع في العمران ، وقد دخلت في حكم الفاطميين سنة 360 وقد كان عصرهم منذ افتتحوا الديار المصرية والشامية عصر علم وعصر منافسة في العلم ، وحسبهم في ذلك أثرهم الخالد ( الجامع الأزهر ) الذي كان وما يزال إلى اليوم الجامعة الكبرى للعلوم الإسلامية وغيرها من مختلف العلوم والفنون ، فلا يستبعد والحالة هذه أن تكون طرابلس وقد أصبحت قاعدة من قواعد مدنهم الساحلية ولها مكانها من حيث الموقع ومن حيث تهيئة أسباب استبحار العمران فيها أن تساهم مساهمة عظيمة في هذه الناحية من نواحي الحياة ، وأن يكون لبني عمار قضاتها منذ حلوّها وأقاموا فيها وأصبحوا
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 394
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٣٩٤