تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
فوردته الأوامر بالاستعداد لتدويخ لبنان برمته وطرد الأحزاب الفاطمية منه وإرغامه على الخضوع للدولة السلجوقية وجعله عملا من أعمالها ، على أن يكون هو العامل الأعلى من قبلها . ولكن حدث له حينئذ ما صرفه عن نيته تلك واضطره إلى تحويل جهوده إلى ناحية أخرى بلي فيها بالخذلان على ما أبداه من البطولة والشدة في المقاومة . وكان خذلانه ذلك وسيلة علوية لصيانة لبنان . ذلك أن جموع الإفرنج المستنفرين إلى الشرق من جميع ممالك أوروبة إثر ما سمعوه عنه من الأحاديث ذات الشجون ، تحولوا عن بعلبك والبقاع في طريقهم إلى بيت المقدس ، ومالوا إلى الغرب وساروا على سيف البحر جنوبا يكتسحون البلدان ويفتحون المدن مما يدل على الصولة والبطش . وكان أبو علي حاد الذهن ذكيا فعرف أنهم واصلون إليه ولا ريب وشيكا فلم يجبن إزاء هذا الاستنتاج ولا تردد بل نهض في الحال بما عرف به من همة عالية ونيرة وقادة ، إلى حشد الجنود وجمع المؤن وترميم الحصون والأسوار . ولكن الفرنجة فاجأوه قبل أن يستكمل معدات دفاعه . وفيما كان يفكر في أمره جاءه من أخبره أن أمراء الجبل الشمالية لاقوا الفرنجة مرحبين ، وقد نالوا لديهم حظوة ، وكانت له صلة ولاء بأحد نبلائهم الأمير موسى حاكم بشراي ، فرأى توسيطه في صرفهم بالحسنى عن المدينة ريثما يتيسر له إنجاز ما بدأ به . وكان الأمير موسى يحب في أبي علي شجاعته وسمو مؤهلاته . ولكنه كان ينكر عليه أشياء منها تضييقه أحيانا على بعض الضعفاء من سكان المدينة وتسامحه في إرهاق بعض العامة من اللبنانيين المختلفين إليها . فلما جاء يكلفه التوسط وعده بإجابة طلبه على أن يرجع عما كان يؤاخذه عليه من أعماله ، فأسمعه هو أيضا أحسن المواعد . نجح الأمير موسى في مهمته ، وصالح الإفرنج ابن عمار على أن يقدم لهم بعض المؤن والذخائر بثمن عادل . فتابعوا طريقهم في الساحل دون أن يدخلوا المدينة ، وبعد رحيلهم عاد أبو علي إلى استعداداته لا يعرف فيها لينا ولا هوادة . وبعد مدة جعل يعتقل بعض الأبرياء خصوصا ممن أصلهم من الجبال التابعة للأمير موسى بناء على وشايات كاذبة ويودعهم السجن . وأمر بإقفال الأسوار . وكان من المعتقلين أسرة بشراوية