أما المياه فتأتيها من لبنان بأقنية قديمة يظن أنها من بقايا الصليبيين بدليل تسميتها حتى الآن باسم قناطر البرنس ، وتتوزع في كل أنحاء البلدة وشوارعها وتدخل دورها وبناياتها وتتصل إلى الطبقة الثالثة على ارتفاع أكثر من خمسة عشر ذراعا . ومخرج الماء من ينبوع عذب يقال له رشعين في ناحية الزاوية من قائمقامية البترون التابعة لمتصرفية لبنان .
« أما النهر فمخرجه من جبل لبنان فوق قرية بشري تحت الأرز الشهير ، من مكان يقال له الدواليب ويجري إلى الجنوب الغربي قليلا فيتحد معه جدولان يقال لأحدهما رشعين وللآخر المخاضة ومن ثم يدخل طرابلس ويخرقها من الشرق إلى الغرب فيشطرها شطرين غير متساويين ويخرج منها فيمر في أرض كثيرة الجنائن والبساتين ، ويصب في بحر الروم إلى الشمال من المينا على مسافة ميل عنها . وغزارة الماء وخصب تربة البلاد حملا الأهلين على الرغبة في حراثة الأرض فأتقنوها حتى صارت طرابلس أول بلدان سورية تقدما في الزراعة ، وأمست أرضها ذات ثمار كثيرة مشهورة عنها أخصها الليمون بأنواعه . ذلك ما أصبح مصدرا لتجارة متسعة فيه . أما التجارة فهي متسعة في تصدير الحاصلات ضيقة في إيراد البضائع الأوروبية وأخص الأصناف الصادرة الحرير والحبوب والليمون والزيت والصابون وغير ذلك .
« أما الصناعة فقاصرة جدا ، مع أنها اشتهرت في الزمن السالف كما شهد بذلك مؤرخو الإفرنج الذين كتبوا وقائع الحرب الصليبية » .
ثم وصف ترقيها في العلم ومدارسه وفضلها على أكثر المدن السورية في هذه الناحية ، ولم يقصر ومن أولى به بإيفائها حقها وهو ابنها البار وهي أول بلد مس جسمه ترابها .
وإذا عرفت أن هذا الوصف لها كان منذ سبع وخمسين سنة أي في عهد مبدأ النهضة السورية العمرانية والعلمية في بلاد الشام ، وبعد تراجعها العظيم يتبين لك أنها قد بلغت في هذه الأيام شأوا بعيدا في كل ناحية من نواحي العمران والاقتصاد والعلم والآداب والسياسة والوطنية الصحيحة ، لمرافقتها النهضة التي شملت أكثر المدن السورية ، دع ما أعان هذه النهضة من الوسائل التي كانت تكاد تكون مفقودة في ذلك العهد ، ومنها صعوبة المواصلات وقلة المطابع وندرة الكتب .
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 302
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٣٠٢