وطرابلس ضربت الرقم القياسي السوري الساحلي في جهادها الوطني والسياسي في سبيل إحقاق حقها بالالتحاق في الوحدة السورية ، وأبلت بلاء حسنا في كل مرحلة من مراحل القضية السورية الخاصة والعربية العامة منذ بدء الاحتلال وإلقاء الحرب العامة أوزارها إلى يومنا هذا . ولولا أن التبسط في تاريخ هذا البلد الراقي قديما وحديثا يطول به الخطب ويخرجنا عن صدد موضوع كتابنا ، لما اقتصرنا على إيراد هذه الجملة غير الوافية بقدرها وبما لها من المكانة في نفوسنا وبما نضمره لها من إجلال وإكبار ولرجالها المخلصين المجاهدين من إعجاب وإعظام .
تاريخها القديم :
قال المؤرخ جرجي يني الطرابلسي في تاريخ سورية :
« أما تاريخ البلدة فقديم جدا ومع أن ذكرها لم يرد في الكتاب المقدس يعتقد بعض المدققين بكيانها منذ حين قديم . أما ما يعلم عنها تاريخا فهو أنه بعد أن أخذت بلاد فينيقية بالتقدم الحسي والمعنوي وكانت ولايات مستقلة تنضم إلى بعضها برباط الدين والجنسية ، على أنها منفصلة عن بعضها في الأحكام الداخلية والخارجية خلا الحلقة الوطنية بالدفاع والهجوم ، رأت أمهات الممالك وهي صيدا وصور وارواد وجوبا لإقامة دار شورى ترى في المصالح العامة للبلاد . فأنشىء المجلس المذكور في مدينة طرابلس ، ومع أن التاريخ لم يذكر زمان إنشائه ولا أول زمان ، عرفت به طرابلس بلدة . نرى أن المجلس لم يقم يومئذ في بلدة معروفة بل إن عدم قبول تلك الدول الكبيرة قيام ندوتها في بلدة إحداهن لمغايرة الأخرى وتحذرا من استبدادها بالقوة وعدم رغبة جميعها بإعطاء تلك المنحة العظيمة للدول الثانوية ، حمل القوم على انتخاب أرض متحايدة أو قرية صغيرة يشيدون فيها مجلسهم ، فكانت حينئذ نشأة طرابلس وهي غير ذات اسم عام ، بل ربما أطلق على قسم منها ، ومع أنه عرف تماما أن هذا المجلس كان مركبا من أعضاء صوريين وصيدونيين واورواديين ، لم يعرف إن كانت الولايات الأخرى الفينيقية قد اشتركت بالعضوية كاشتراكها بقبول أحكامه مما برهنته بعض الحوادث التاريخية . وهذا التخمين يقارب الواقع لأنه حتى الآن لم يعرف للبلدة اسم فينيقي ، مع أن دار الشورى قد ذكرت