ويقيم بحرّان ويدفع كل من نازعه عليها ، وطلب أهل حرّان بأن يحلفوا له أن يكونوا معه حربا لمن حاربه وسلما لمن سالمه . وظنّ أهل حرّان أنّ الذي خبّرهم به صحيح فحلفوا له على ما أراد ، واستثنوا في يمينهم إلّا أن يكون الذي يحاربه عمّه سيف الدولة فإنّهم لا يحاربونه ، ورضي بذلك منهم ، فلمّا كان بعد أيّام وافى نما أخو نجا غلام سيف الدولة ، فأغلق هبة اللّه وأهل حرّان أبواب حرّان في وجوههم ، وعلم نما أنّه لا يمكنه فيهم حيلة ، فأظهر أنّه لم يرد أبواب حرّان وإنّما أراد قصد أرزن وميافارقين ، فانصرف عن حرّان إليها ، وكتب إلى أخيه نجا يعرّفه ما جرى ويغريه بأهل حرّان ؛ فسار نجا وخرج إليه وجوه أهلها وأشرافها وهم سبعون شيخا ليسلّموا عليه ، فوكل بهم وتهدّدهم بالقتل وطالبهم عن البلد بألف ألف درهم أرش « 1 » ، ما عملوه من غلق الأبواب في وجه أخيه ولم يسمع لهم عذرا ، وجرت لهم معه خطوب إلى أن قنع منهم بثلاثمائة ألف درهم وعشرين ألف درهم ، ووجه معهم بالفرسان والرجالة وألزمهم الأجعال الثقيلة ، ورسم أن يستخرج له المال في يوم واحد ، وبعد الجهد أجاب إلى أن تكون المدّة خمسة أيّام ، وقسّط المال على أهل البلد وأدخل فيهم الملّيّ والذمّيّ والسوقة والنساء والأرامل وغيرهم ، ووضع عليهم العصيّ والضرب في دورهم بحضرة حرمهم وعيالاتهم ، فأخرجوا أمتعتهم وباعوا ما يساوي دينارا بدرهم ولم يجدوا من يشتري لأن أهل البلد كلهم كانوا يبيعون ، فاشترى أصحاب نجا الأمتعة والحلي بحكمهم وبما أرادوا . ولزم أهل البلد من الأجعال أمر عظيم ، وخرب بذلك وافتقر أهله ، وانصرف عنهم نجا إلى ميافارقين بعد أن استوفى جميع المال وترك البلد شاغرا بلا سلطان ، فتسلّط عليهم العيّارون . وأظهر نجا الخلاف على مولاه سيف الدولة والخروج عن طاعته ، ولم يزرع في هذه السنة أحد بديار مضر كبير شيء « 2 » للجور الذي كانوا فيه « 3 » » .
« وسار سيف الدولة إلى ميّافارقين ، وأرسل إلى نجا يأمره بالمسير
هامش
( 1 ) أرش : هو الذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطّلع على عيب في المبيع ، تعويض ، غرامة .
( 2 ) مبتذل .
( 3 ) نخب تاريخية وأدبية . . . من ص 242 إلى ص 254 .