ووضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة ، ثمّ رفع السيف ، وأمر أن يساق من بقي في المدينة من الرجال والنساء والصبيان إلى بلد الروم ، وكانوا نحو مائتي ألف إنسان ، ثمّ سار عنها إلى طرسوس فحاصرها ، فأذعن أهلها بالطاعة ، فأعطاهم الملك الأمان ، وفتحوا له أبوابها ، فدخلها ولقي أهلها بالجميل ، ودعا رؤوسهم إلى طعامه ، فأكلوا معه ، وأمرهم بالانتقال عنها ، وأن يحمل كلّ واحد من ماله وسلاحه ما أطاق حمله ، ويخلّف الباقي ، ففعلوا ، وساروا وسيّر معهم ثلاثة نفر من البطارقة يحمونهم ؛ فعرض لهم قوم من الأرمن ، فأوقع الملك بهم وعاقبهم وقطع آنافهم لمخالفتهم أمره ، ولم يزل طول طريقهم يتعرّف أخبارهم بكتبه ورسله ، إلى أن عرف سلامتهم وحصولهم بأنطاكية ، وحمل بعضهم في البحر في ( شلنديّات ) « 1 » له إلى حيث أرادوا .
ثمّ جعل الملك المسجد الجامع بطرسوس اصطبلا لدوابه ، ونقل ما كان فيه من قناديل إلى بلده ، وأحرق المنبر ، وقلّد البلد بطريقا من بطارقته في خمسة آلاف رجل ، وقلّد المصّيصة بطريقا آخر ، وتقدّم بعمارة طرسوس وتحصينها ، وجلب الميرة إليهم من كل جهة ، فعمرت ورخص السعر بها حتّى صار الخبز بها رطلين بدانق ، فتراجع أهلها إليها ، ودخلوا في طاعة الملك ، وتنصّر بعضهم ، وعمل الملك على أن يجعلها حصنا ومعقلا له لحصانتها وليقرّب عليه ما يريد من بلدان الإسلام .
كان السبب في فتح المصّيصة أنّهم هدموا سورها بالنقوب ، فأشار عليهم رجل بحيث أن يخرجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك نقفور ، فأخرجوهم ، فعرّفه الأسارى بعدم الأقوات ، وأطمعوه في فتحها ، فزحف عليها ، ولقد قاتل أهلها في الشوارع حتّى أبادوا من الروم أربعة آلاف ، ثمّ غلبوهم بالكثرة وقتلوهم ، وأخذوا من أعيانهم مائة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس ، فأخرج أهل طرسوس من عندهم من الأسارى فضربوا أعناقهم على باب البلد وكانوا ثلاثة آلاف .
وفيها اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طرسوس ، وتكاثرت عليهم
هامش
( 1 ) شلنديّات : سفن كبيرة مسطحة لنقل البضائع .