فتوقفت عنه . فقال لي الغلمان : دعنا نمضي تلقاءه ، ففكرت في قولهم ، ولم أخل من أحد وجهين ، إمّا أن يهزمنا ويرزق علينا النصر فتكون الفضيحة ، وإمّا أن نرزق عليه النصر فنأخذه ، فأيش « 1 » أعمل به ! هلّا هو أكثر من أن أنزله في مضرب يشبهه ، وأنفق عليه ما يصلح له ، ثم أجهزه وأردّه لأخيه وأهله ، لأنّهم لا يتركونه ، وأقلّ ما كان يكفينا له مائتا ألف دينار . ثم لا أطيق غلماني من إدلالهم والتسحّب عليّ بما عمله ، ويطلبون مني الأعمال والولايات ، فرأيت أنّ مسالمته ومصالحته أفضل وأصلح ؛ وأرسلت إليه الحسن بن طاهر أعده بالأموال والخروج من أعماله . فلمّا رأوا الحسن بن طاهر قد مضى ازدحموا عليه يسبّوني ويشتموني ، ويسألون اللّه الراحة منّي ) .
في هذه السنة في ذي الحجّة « 2 » ، مات الإخشيد أبو بكر محمّد بن طغج صاحب ديار مصر ، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد ، وكان موته بدمشق ، وقيل مات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور ، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود ، وهو من خدم الإخشيد ، وغلب أبا القاسم واستضعفه ، وتفرّد بالولاية ، وكان أبو القاسم صغيرا ، وكان كافور أتابكه ، فلهذا استضعفه وحكم عليه ؛ فسار كافور إلى مصر . فقصد سيف الدولة دمشق فملكها ، وأقام بها ، فاتّفق أنّه كان يسير هو والشريف العقيقيّ بنواحي دمشق ، فقال سيف الدولة : ما تصلح هذه الغوطة إلّا لرجل واحد . فقال له العقيقيّ : هي لأقوام كثيرة .
فقال سيف الدولة : لئن أخذتها القوانين السلطانيّة لتبرّأوا منها .
فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك ، فكاتبوا كافورا يستدعونه ، فجاءهم ، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ستة وثلاثين وثلاثمائة . وكان أنوجور مع كافور ، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب ، فخافهم سيف الدولة ، فعبر إلى الجزيرة ، وأقام أنوجور على حلب ، ثم استقرّ الأمر بينهما . وعاد أنوجور إلى مصر ، وعاد سيف الدولة إلى حلب » « 3 » .
هامش
( 1 ) هكذا وردت في النص .
( 2 ) في 21 ذي الحجة سنة 334 ه .
( 3 ) نخب تاريخية وأدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني من ص 22 إلى ص 34 .