وسار محمد المستعلي إلى المرية مخلوعا ، واستدعاه أهل ( بليلة ) ، فأجاز إليهم ، وبايعوه سنة تسع وخمسين وأربعمائة . وبايعه بنو ( ورقدى ) وقلوع جاره ونواحيها ؛ وهلك سنة ستين وأربعمائة .
وأما محمد بن القاسم المعتقل بمالقة فقد فر من الاعتقال سنة أربع عشرة وأربعمائة ، ولحق بالجزيرة الخضراء ، فملكها وتلقب المعتصم ، إلى أن مات سنة أربعين وأربعمائة .
ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق إلى أن هلك سنة خمسين وأربعمائة ، وصارت الجزيرة للمعتضد بن عباد . وكان ( سكوت البرغواطي ) الحاجب مولى القاسم الواثق محمد بن المعتصم - ويقال مولى يحيى المعتلي - واليا على سبتة من قبلهم . فلما غلب ابن عباد على الجزيرة طلبه في الطاعة ، وطلب هو ملك الجزيرة ، فامتنعت عليه ؛ واتصلت الفتنة بينهما إلى أن كان من أمر ( المرابطين ) وتغلبهم على سبتة وعلى الأندلس ما سنذكره .
وبعد فإنه يتبين للقارئ في هذه الصفحات أن ملك المغرب والأندلس كان متداولا في آن واحد ، ومنقسما بين العباسيين والأمويين والعلويين الأدارسة والفاطميين . وإن هذا الانقسام العجيب جر إلى انقسامات أخرى جر إليها طموح كل من تذوق طعم الحكم ، وشعر بلذة الأمر والنهي ، وقد ساعده القدر أن يكون عاملا في إحدى سلطنات تلك الدول ، وكان تدعمه عصبية ؛ إلى أن انتهت النوبة إلى ملوك الطوائف .
قال ابن خلدون في تاريخه : « كان ابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم لما انتثر ملك الخلافة العربية بالأندلس ، وافترق الجماعة بالجهات ، وصار ملكها في طوائف من الموالي والوزراء وأعياص « 1 » الخلافة وكبار العرب والبربر . واقتسموا خططها ، وقام كل واحد بأمر ناحية منها . وتغلب بعض على بعض ، واستقل آخرا بأمرها ملوك منهم استفحل شأنهم ، ولاذوا بالجزية للطاغية أو يتظاهرون عليهم أو ينتزعون منهم ملكهم ، حتى أجاز إليهم ( يوسف بن تاشفين ) أمير المرابطين وغلبهم جميعا على أمرهم فكان منهم : ( ملوك بني عباد ملوك إشبيلية وغربي الأندلس ) .
هامش
( 1 ) أعياص : مفردها عيص وهو الأصل ، يقال هو من عيص كريم أي من أصل كريم .