ورغبوا على أن يجمع رسول الفرنج بالعاضد فجمعه معه في بيته ملبسا بذلك . ولم يكن العاضد الذي حضر وأوهموه أنه عقد معه . ثم اتصل الخبر بنجم الدين بن مضيال من أولياء الشيعة ، وكان نجم الدين قد اختصه صلاح الدين وولاه الإسكندرية .
واستغضبه بهاء الدين قراقوش ببعض النزغات ، فظنوا أنه غضب فأطلعوه على شأنهم وأن يكون وزيرا وعمارة كاتب الدست وصاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات مكان الفاضل بن كامل قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وعبد الصمد جابي الأموال ، والعوريش ناظر عليهم ، فوافقهم ابن مضيال ووشى بهم إلى صلاح الدين ، فقبض عليهم وعلى رسول الفرنج وقررهم في عدة مجالس ، وأحضر زمام القصر وهو مختص العرز ، ونكر عليه خروج العاضد إلى بيت نجاح مع مختص ، فحضر واعترف بالحق أن العاضد لم يحضر ، فتحقق صلاح الدين براءته ، وكان عمارة يجالس شمس الدولة تورنشاه ، فنقل لأخيه صلاح الدين أنه امتدحه بقصيدة يغريه فيها بالمضي إلى اليمن ويحمله على الاستبداد ، وأنه تعرض فيها للجانب النبوي يوجب استباحة دمه ، وهو قوله :
فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به * إلى سواك وأور النار في العلم
هذا ابن تومرت قد كانت ولايته * كما يقول الورى لحما على وضم
وكان أول هذا الدين من رجل * سعى إلى أن دعوه سيد الأمم
فجمعهم صلاح الدين وشنقهم في يوم واحد بين القصرين ، وأخّر ابن كامل عنهم عشرين يوما ثم شنقه .
ومر عمارة بباب القاضي الفاضل فطلب لقاءه فمنع ، فقال وهو سائر إلى المشنقة :
عبد الرحيم قد احتجب * إن الخلاص هو العجب
وفي كتاب ابن الأثير أن صلاح الدين إنما اطلع على أمرهم من كتابهم الذي كتبوه إلى الفرنجة عثر على حامله ، وقرىء الكتاب وجئ به إلى صلاح الدين فقتل مؤتمن الخلافة لقرينة ، وعزل جميع الخدام ، واستعمل على القصر بهاء الدين قراقوش ، وكان خصيا أبيض .