وكان الفقيه عيسى الهكاري من خلصاء صلاح الدين فاستمالهم إليه ، إلّا عين الدولة الفاروقي فإنه سار إلى الشام ، وقام صلاح الدين بوزارة مصر نائبا عن نور الدين يكاتبه ويشركه في الكتاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية .
ثم استبد صلاح الدين بالأمور ، وضعف أمر العاضد ، وهدم دار المعرفة بمصر وكانت حبسا وبناها مدرسة للشافعية ، وبنى دار الغزل كذلك للمالكية ، وعزل قضاة الشيعة ، وأقام قاضيا شافعيا في مصر ، واستناب في جميع البلاد .
حصار الفرنج دمياط :
ولما جاء أسد الدين وأصحابه إلى مصر وملكوها ودفعوهم عنها ندموا على ما فرطوا فيها ، وانقطع عنهم ما كان يصل إليهم ، وخشوا غائلة الغز على بيت المقدس ، وكاتبوا الفرنج بصقلية والأندلس واستنجدوهم .
وجاءهم المدد من كل ناحية ، فنزلوا دمياط سنة خمس وستين وخمسمائة وبها شمس الخواض منكوريين ، فأمدها صلاح الدين بالعساكر والأموال مع بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز ، واستمد نور الدين واعتذر عن المسير إليها بشأن مصر والشيعة ؛ فبعث نور الدين العساكر إليها شيئا فشيئا ، وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج بسواحل الشام ، فضيق عليها ، فأقلع الفرنج عن دمياط لخمسين يوما من نزولها ، فوجدوا بلادهم خرابا ، وأثنى العاضد على صلاح الدين في ذلك ، ثم بعث صلاح الدين غرابيه نجم الدين وأصحابه إلى مصر ، وركب العاضد للقائه تكرمة له .
واقعة الخصيان وعمارة :
ولما استقام الأمر لصلاح الدين بمصر غص به الشيعة وأولياؤهم ، واجتمع منهم العوريش وقاضي القضاة ابن الكامل والأمير المعروف الكاتب عبد الصمد وكان فصيحا وعمارة اليمني الشاعر الزبيدي وكان متولي كبرها ؛ فاتفقوا على استدعاء الفرنج لإخراج الغز من مصر وجعلوا لهم نصيبا وافرا من ارتفاعها ، وعمدوا إلى شيعي من خصيان القصر اسمه نجاح ولقبه مؤتمن الدولة ، وكان قد ربى العاضد وصهره فأغروه بذلك