ولا ريب أن الحروف التي طالت بين الأخوين واختلاف الأحوال من الرخاء إلى الشدة ومن السلطنة إلى الملك قد أثرت في صحة بركياروق وأنهكت قواه مع حداثة سنه .
ولم يغنه استقرار الأحوال بعد إبرام الصلح الأخير مع أخيه محمد وانقياد المخالفين إليه ، عن ملاقاة الأجل المحتوم ؛ فأدركته منيته في بروجرد ( بضم الباء وكسر الجيم ) . وكان بركياروق ، كما وصفه ابن خلكان « 1 » ، « مسعودا عالي الهمة لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب والإدمان عليه » .
( 4 ) محمد بن ملكشاه 498 - 511 / 1104 - 1117
أقيمت الخطبة لملكشاه الثاني بن بركياروق عقب موت أبيه ، ولم يكن قد بلغ الخامسة من عمره ، وخطب له على المنابر ، ولقبه الخليفة جلال الدولة ، وهو لقب جده ملكشاه ، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة 487 ه . ولم يكد هذا الطفل يستقر على عرش السلطنة أسابيع أو أشهرا قليلة حتى عزل وسملت عيناه على ما جرت به العادة في ذلك العصر « 2 » .
وبذلك صفا الجو لمحمد بن ملكشاه ، فقلده الخليفة المستظهر ( 487 - 512 / 1094 - 1118 ) من جديد ، ولقبه غياث الدين ، وعظمت هيبته وكثرت جيوشه وأمواله ، ولم يبق له منازع ، وأصبح الحاكم الفعل للولايات الفارسية زهاء ثلاث عشرة سنة ( 498 - 511 / 1105 - 1118 ) بذل خلالها جهدا كبيرا في القضاء على قوة الباطنية المتزايدة إذ قتل عبد الملك بن عطاش صاحب قلعة أصبهان « 3 » ، وفيما عدا ذلك لم يقع في عهد السلطان محمد ما يستحق الذكر سوى مناوأته ابن أخيه إياز الذي حاول خلعه وتقلد السلطنة مكانه . وعلى الرغم من إبرام الصلح بينهما ، لم يفتر إياز عن مناوأة السلطان محمد ودبر مؤامرة لقتله ، ولكن أمر هذه المؤامرة قد كشف واغتيل إياز عند دخوله قصر السلطنة « 3 » . أضف إلى ذلك هذه الحملة التي شنها السلطان محمد على الأمير صدقة بن مزيد ( يفتح الميم والياء وسكون الزاي ) صاحب الحلة والبصرة وواسط الذي انضم إلى الأمير إياز واستولى على البصرة ( 499 ه ) ثم على قلعة تكريت « 4 » وزادت
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان ج 1 ص 242 .
( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 284 .
( 3 ) ابن الأثير : 10 ص 161 - 163 .
( 4 ) المصدر نفسه ج 10 ص 144 - 145 ، 147 150 - 151 ، 154 .