السلطنة بعد عمه طغرلبك ، فأسند إليه الوزارة ، وعهد إليه بتنشتة ابنه ملكشاه وقال له :
هذا حسن الطوسي ( يعنى نظام الملك ) فتسلمه واتخذه ولدا لا تخالفه .
وكان نظام الملك عالما دينا وجوادا عادلا حليما كثير العفو طويل الصمت . وكان مجلسه حافلا بالفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح ، وقد اشتهر ببناء المدارس في البلاد وخصص لها النفقات العظيمة وأملى الحديث ببغداد ونيسابور وغيرهما من مدن خراسان .
وكان نظام الملك منقطعا للعبادة يؤدى الصلوات في أوقاتها ، إذ كان يأمر مؤذنه بالصلاة إذا حان وقتها ، وينبهه إذا حان وقت الأذان ، كما أسقط المكوس والضرائب وأزال على المنابر لعن الأشعرية « 1 » الذي كان من آثار عهد البويهيين الشيعيين . وكان الوزير عماد الملك الكندرى قد حسن للسلطان طغرلبك لعن الرافضة ، فوافقه على ذلك ، فأضاف إليهم الأشعرية . وكان يجعل أهل العلم ويجلسهم في المكان اللائق بهم . ومما يؤثر عن نظام الملك أنه تمنى لو كانت له قرية ومسجد ينفرد فيه للعبادة . ثم تمنى بعد ذلك أن تكون له قطعة أرض يتقوت من ريعها ومسجد يعبد اللّه فيه . وقد تمنى في أواخر أيامه أن يمنحه اللّه رغيفا يتبلغ به ومسجدا يعبد اللّه فيه . ومن هنا ندرك ميل نظام الملك نحو الزهد والتقشف في نهاية حياته وصدوفه عن الدنيا وزخرفها .
وكان من عادة نظام الملك أن يشرك الفقراء معه في الطعام ويقربهم إليه . وقد أثر عنه أنه كان ليلة يتناول الطعام مع عميد خراسان ، وجلس إلى جانب العميد شخص فقير قد قطعت يده . ولاحظ نظام الملك أن العميد يتأنف من الأكل مع هذا الفقير ، فأمر العميد أن ينقل إلى الجانب الآخر من السماط ، وقرب هذا الفقير إليه فأكل معه .
مات نظام الملك في العاشر من شهر رمضان سنة 485 ه بعد أن تقلد الوزارة لألب أرسلان وملكشاه نحوا من ثلاثين سنة . وقد تضاربت أقوال المؤرخين في أسباب قتله :
( 1 ) قيل إنه كان على مقربة من نهاوند ، وكان صائما ، وبعد أن غربت الشمس
هامش
( 1 ) كان الأشعرية سنيين مؤولين يلتقون مع الشيعة في كثير من الآراء : ويبدو من هذا أن السلاجقة كانوا يسيرون على السنة السلفية ، أي على نهج السلف الصالح . وقد اتخذ الأشعرية مذهبا وسطا بين المعتزلة وبين السلف الصالح . ولذلك أطلق عليهم أهل السنة والجماعة .