وفي ذلك الوقت استجاب اللّه لدعوة الوزير الكندرى . فقد وردت الأنباء إلى بغداد بوفاة جمال الملك ابن الوزير نظام الملك ، وكان يتولى بلخ ، وأعمالها . وقد قيل في سبب قتله أن جعفرك أحد مضحكى السلطان ملكشاه كان يسخر من الوزير نظام الملك في خلواته مع السلطان . ولما بلغ ذلك جمال الملك ، طوى المراحل إلى والده وإلى السلطان وهما بأصبهان فاستقبله أخواه فخر الملك ومؤيد الملك ، فأغلظ لهما القول ، لإغضائهما عما بلغه من سخرية جعفرك بأبيهم . ولما مثل جمال الملك بين يدي السلطان رأى هذا المضحك يساره ، فانتهزه فلما خرج جعفرك أمر جمال الملك بإخراج لسانه من قفاه وقطعه فمات ، ثم سار مع السلطان وأبيه إلى خراسان ، وأقاموا بنيسابور مدة ، ثم أرادوا العودة إلى أصبهان وتقدمهم الوزير نظام الملك ، وقد أوعز السلطان إلى أحد خدم جمال الملك بقتله ، قدس له السم في إناء مملوء بالفقاع ، فشربه فمات ، ثم لحق السلطان بوزيره وعزاه في ابنه « 1 » .
زار السلطان ملكشاه بغداد مرتين في عهده . فكانت الزيارة الأولى في سنة 479 ه ( مارس 1087 م ) بعد أن فتح حلب وحمص وغيرهما من البلاد التي تمتد من الرها إلى بلاد الشام . وكان الوزير نظام الملك بصحبة السلطان . وفي الغد خرج السلطان ملكشاه إلى الحلبة ولعب بالجوكان والكرة ( البولو ) ، وزار مشهد موسى الكاظم الإمام السابع عند طائفة الإمامية الإثنا عشرية وأضرحة معروف الكرخي المتصوف . وأحمد بن حنبل ، وأبي حنيفة وغيرها من المشاهد المعروفة ، كما زار مشهد علي بن أبي طالب ، ومشهد ابنه الحسين .
وهذا يدل على بعد نظر السلطان ونظر وزيره وعدم تحيزهما المذهب خاص .
وقد أرسل السلطان ملكشاه إلى الخليفة المقتدى كثيرا من الهدايا النفيسة . ثم مثل بين يدي الخليفة فخلع عليه ، ثم خرج ، وظل الوزير نظام الملك يقدم الأمراء ، كل أمير باسمه وإقطاعه وعدة عساكره ، « وفوض الخليفة إلى السلطان أمر البلاد والعباد » ، وخلع الخليفة الخلع على الوزير نظام الملك . كما زار الوزير المدرسة النظامية ببغداد وخزانتها ، وألقى على الطلاب درسا في الحديث وأملى عليهم جزاءا آخر . وأقام السلطان
هامش
( 1 ) ابن الأثير : الكامل ج 1 ص 45 .