وكان للبريد ديوان كبير في بغداد ( أشبه بمصلحة البريد الآن ) ، وكان مزودا بمحاط على طول الطريق ، وذلك نظرا لاتساع رقعة الدولة الإسلامية في ذلك العصر وقد ظل حمام الزاجل مستخدما في نقل الرسائل حتى خلافة المعتصم العباسي ، وساعدت معالم الطرق التي أقامتها الدولة للتجار في أسفارهم ، كما كانت نواة للبحوث الجغرافية على أن البريد كان خاصا بأعمال الدولة وليس لنقل مراسلات الجمهور . وكان صاحب البريد يراقب العمال ويستطلع أخبار الأعداء . ويشبه هذا النظام قلم المخابرات في أيامنا . وكانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل الأخبار إلى الخليفة من عماله في الأقاليم وبالعكس ، ثم توسعوا فيه حتى جعلوا صاحبه عينا للخليفة ، ينقل أخباره إلى ولاته كما ينقل أخبار ولاته إليه .
وقد اهتم الخلفاء العباسيون بهذا النظام واعتمدوا عليه اعتمادا كبيرا في إدارة شؤون دولتهم .
وقد ذكر أبو المحاسن « 1 » أن شفيعا اللؤلؤي كان صاحب البريد في مصر سنة 292 ه . ومع أننا لا نعرف الكثير عن إدارة البريد في عهد الإخشيديين والفاطميين ، فقد ذكر المؤرخون أنهم اهتموا بحمام الزاجل كوسيلة من وسائل نقل الرسائل واستخدم الفاطميون الحمام ، وأفردوا له ديوانا وجرائد بأنسابها « 2 » .
وقد بلغ نظام البريد في عهد بنى بويه ( 334 - 447 ه ) مبلغا عظيما من الدقة والسرعة ، حتى كانت الدولة تنقل البريد في أثناء الحرب بالجمازات « 3 » ، وهي أشبه بالعربات التي تجرها الخيل السريعة التي يركبها عمال البريد ورجال الحرب وأمثالهم ممن يتطلب عملهم السرعة . فإن الفاطميين لما عزموا على غزو مصر سنة 301 ه ، استعمل علي بن عيسى وزير الخليفة المقتدر العباسي الجمازات من بغداد إلى مصر ليقف على حقيقة الحال في كل يوم .
وكان لبنى بويه أثر كبير في ترقية البريد . فقد أدخل عضد الدولة السعاة ( وكان يقال لهم الفيوج ) ، وهم طائفة من موظفى البريد تخصصوا في نقل البريد من مكان إلى آخر ،
هامش
( 1 ) النجوم الزاهرة ج 3 ص 148 .
( 2 ) القلقشندي : ج 14 ص 390 .
( 3 ) انظر تاج العروس .