( و ) الحرب الصليبية الرابعة ( 1202 - 1204 م )
كان الضعف قد أخذ من دول الغرب كل مأخذ بعد ما فقدوا من العدد والعدة في حروبهم مع الشرق ؛ فخارت عزائمهم وضعف نفوسهم . إلا أنه كان لا يزال هناك عدد غير قليل من الناس على استعداد لتلبية نداء البابا إنوسنت الثالث الذي استطاع أن يجمع حوله آلاف الفرسان ويتفق مع الدوق داندولو رئيس جمهورية البدقية أن يمدهم بالسفن والمؤمن مقابل مبلغ من المال ، على أن يقتسموا معه ما عسى أن يستولوا عليه من الغنائم والأراضي .
ولما كان من المتعذر على الصليبيين أن يدفعوا ثمن نقل هؤلاء الفرسان ، عرض عليهم الدوج ، وكان رجلا مسنا ذا مكر ودهاء ، أن يشتركوا معه في إخضاع مدينة « زارا » ( الواقعة على بحر الأدرياتيك ) تنفيذا لأغراضه التجارية ، مقابل إعفائهم من هذا الدين . فهاجم الفريقان المدينة وخربوا ما فيها ( 599 / 1202 ) ، ثم طلبوا من البنادقة أن ينقلوهم على سفنهم إلى مصر أهم مراكز القوى الإسلامية في ذلك الحين .
ولما كانت مصر ذات علاقات تجارية مع البندقية ، رأى الدوج أن يحول الصليبيين عن غرضهم الأصلي ، وعرض عليهم مهاجمة القسطنطينية لضغينة كانت في نفسه ، ولأن هذه المدينة كان لها الزعامة بين مدن البحر الأبيض المتوسط . وقد عزز أغراض الدوج استنجاد أليكسيس
) suixelA (
ابن الإمبراطور المخلوع من عرش القسطنطينية بالصليبيين لاسترداد عرش أبيه مقابل مبلغ كبير من المال ، على أن تشترك معهم فيما بعد قوى إمبراطوريته في إخضاع المسلمين .
وعلى الرغم من أن هذا العمل لا يتفق والغرض الأساسي للحملة ، رحب به الصليبيون ، غير مبالين بتهديد البابا بحرمان زعمائهم من رحمة الكنيسة ، لأن أغراضهم كانت أغراضا دنيوية مصدرها حب المال من أي طريق . فتحول الصليبيون إلى القسطنطينية واستولوا عليها ، ثم اختلفوا مع الإمبراطور لأنه لم يدفع لهم الأموال التي وعد بدفعها ، فاشتطوا في جمع الأموال وأدى ذلك إلى قيام الثورة وقرار الإمبراطور عن حاضرة ملكه . فدمر الصليبيون المدينة ونهبوا ما فيها ، وحطموا التماثيل والتحف ، ثم اقتسموا البلاد فيما بينهم ، وأنشئوا فيها ما عرف باسم الإمبراطورية اللاتينية ، واختاروا بولدوين دوق فلاندر إمبراطورا على القسطنطينية .