ظل ولاة صقلية من قبل الفاطميين منذ أوائل القرن الخامس الهجري في نزاع متصل مع الروم . وكان لهذا أثره في إضعاف نفوذ الفاطميين في هذه الجزيرة .
فلما ولى الأكحل أمور هذه الجزيرة ، جمع أهلها وقال لهم : « أحب أن أفرغكم من الإفريقيين الذين شاركوكم في بلادكم . والرأي إخراجهم ، فقالوا : قد صاهرناهم وصرنا شيئا واحدا « 1 » » . على أن الأكحل لم يعبأ بذلك ، وأرسل إلى الإفريقيين من أهل صقلية فلبوا طلبه ، وظل يحمى أملاكهم ويأخذ الخراج من أهل الجزيرة . غير أن هذه السياسة التي اتبعها هذا الوالي أساءت إلى صقلية : فسار فريق منهم إلى المعز بن باديس الصنهاجى أمير إفريقية وشكوا إليه ما حل بهم ، وهددوا بتسليم بلادهم إلى الروم . فسير معهم ابنه عبد اللّه « 2 » الذي حاصر الأكحل وقتله . وثار فريق من الأهالي وولوا عليهم « حسن الصمصام » أخا الأكحل . ولكن هذا الوالي لم يكن حسن السياسة ، فثار عليه أهل الجزيرة ، واستعان بعضهم بالفرنجة ومنوهم الاستيلاء على البلاد ، فرحبوا بهذه الدعوة واستولوا على كثير من مدنها .
ولما رأى المسلمون ما حل بهم من الهزيمة ، سار فريق منهم إلى المعز بن باديس وطلبوا إليه العون على طرد الروم . فأرسل إليهم أسطولا غرق أكثر رجاله .
ولم يلبث ابن باديس أن توفى ، وخلفه ابنه تميم ، فأبطل ذكر اسم الخليفة المستنصر الفاطمي في الخطبة ( 443 ه ) ونشر الدعوة للقائم العباسي . وبذلك تقلص نفوذ الفاطميين في المغرب وصقلية ، وظلت الدعوة تقام لبني العباس في هذه البلاد حتى قامت دولة الموحدين كما تقدم .
أرسل تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية أسطولا لمساعدة المسلمين في صقلية على طرد الروم منها . ولم يكد هذا الأسطول يصل إلى الجزيرة حتى قامت الفتنة بين أهلها وبين تميم ابن المعز ، وانتهز النرمنديون هذه الفرصة ، وأخذوا يعملون على الاستيلاء على جميع بلاد الجزيرة وثغورها ، وضيقوا الخناق على المسلمين واشتعلت الحرب بينهم وبين النرمنديين زمنا طويلا حتى اضطر المسلمون إلى التسليم ، وتم لروچر النرمندى الاستيلاء على الجزيرة سنة 483 ه « 3 » .
هامش
( 1 ) أمارى : المكتبة الصقلية ج 1 ص 273 وما يليها .
( 2 ) المصدر نفسه والجزء والصفحة .
( 3 ) أمارى : المكتبة الصقلية ج 1 ص 272 .