كما خطب المعز بن باديس للخليفة العباسي القائم ( 422 - 467 ه ) على منبر جامع القيروان « 1 » ، وأمر باتخاذ السواد شعار العباسيين .
وإن من يتبع العوامل التي أدت إلى زوال السيادة الفاطمية ببلاد المغرب ، يرى أن ذلك يرجع إلى انتصار مذهب مالك وسيطرة فقهاء المالكية في القيروان على الدولة الزيرية ، في الوقت الذي شغل فيه الخليفة المستنصر الفاطمي بالفتن والثورات والمجاعات .
ولم يقف المستنصر الفاطمي من هذه الأحداث الخطيرة التي تمخضت عن خروج إفريقية عن طاعة الفاطميين موقف المتفرج ، فقد عمل على الانتقام من بنى زيرى الذين خرجوا عليه برغم ما أسداه آباؤه لهم من مآثر فأطلق نحوهم قبائل الرياحية والزغبية « 2 » من بنى هلال .
وقد خرجت قبائل هلال وسليم وزغبة ورياح وعدى والأثيج من مضاربهم بصعيد مصر سنة 440 ه وانقضوا على إفريقية ، وأوقعوا بالمعز بن باديس في موقعة حيدران « 3 » ( 443 ه ) ، ودخلوا القيروان وخربوها ، وأتوا على تراثها الزاهر ، وضعف ملك بنى زيرى بعد ذلك حتى لم يعد يجاوز أسوار مدينة المهدية « 4 » . وقد طرب المستنصر الفاطمي لهزيمة الزيريين ، واستطاع أن ينتقم لنفسه منهم ، وعبر عن سروره في الرسالة التي بعث بها إلى علي بن محمد الصليحى صاحب اليمن « 5 »
وقد ظلت الخطبة تقام للعباسيين في المغرب حتى قامت دولة الموحدين على يد محمد بن تومرت . ولما توفى ابن تومرت سنة 524 ه ( 1128 م ) خلفه عبد المؤمن ابن علي ، الذي قطع الخطبة للخليفة العباسي المقتفى ، وتلقب بلقب أمير المؤمنين « 6 » .
والآن ننتقل إلى الكلام على علاقة الفاطميين بصقلية :
هامش
( 1 ) ابن عذارى : البيان المغرب ج 1 ص 289 ، 290 .
( 2 ) من بطون بنى هلال الذين استقروا بصعيد مصر في عهد الفاطميين .
( 3 ) قطعت الخطبة الفاطميين في إفريقية سنة 435 ه وخرج العرب من مصر في طريقهم إلى بلاد المغرب في سنة 440 ه . ووقعت موقعة حيدران في سنة 443 ه ، أي أن زحف العرب استغرق ثلاث سنوات ( 440 - 443 ه ) .
( 4 ) حسن أحمد محمود : بنو زيرى وسياستهم الداخلية ص 190 - 191 .
( 5 ) سجلات وتوقيعات الإمام المستنصر باللّه ، رسالة رقم 5 ص 45 .
( 6 ) أبو المحاسن ج 5 ص 50 - 51 .