ثم وصل التتار إلى همذان ، وكان خوارزم شاه قد وصل إليها ، فغادرها وخرج والى المدينة إلى التتار ، فقدم إليهم الأموال والثياب والدواب وطلب منهم الأمان فأجابوه إلى طلبه . ثم ساروا إلى زنجان ثم إلى قزوين فدخلوها عنوة وتقاتلوا مع الأهالي بالسكاكين وقتلوا منهم زهاء أربعين ألفا .
وقد قصد التتار بعد ذلك أذربيجان فصالحهم صاحبها على مال ودواب ، وكان منصرفا إلى اللهو وإدمان الشراب ليلا ونهارا . وكانت أذربيجان في عهد العباسيين من الأقاليم القليلة الأهمية ، ولم تقم لها قائمة سياسية إلا عندما هبت ريح المغول . ذهب التتار إلى أذربيجان فرارا من البرد والثلوج والأمطار ، فوصلوا إلى تبريز وبها صاحب أذربيجان فصالحهم ، ثم يمموا ناحية البحر لقضاء الشتاء لقلة البرد وكثرة المراعى ، فوصلوا وهم في طريقهم إلى بلاد الكرج وأوقعوا بأهلها وقتلوا أكثر جندها ، فأرسل الكرج إلى صاحب أذربيجان في طلب الصلح والاتفاق على قتال التتار ، كما تعاهدوا مع صاحب بلاد الجزيرة ويدعى الملك الأشرف بن الملك العادل وأعدوا العدة لقتال العدو المشترك إذا ما انصرم الشتاء وحل الربيع . ولكن التتار لم يلبثوا أن تحركوا من مشتاهم قبل حلول الربيع قاصدين بلاد الكرج ، وانضم إليهم كثير من التركمان والأكراد لمشاركتهم إياهم في الجنس . وتقدم التتار نحو بلاد الكرج فنهبوا أهلها وقتلوهم ، ثم واصلوا السير نحو تفليس ( حيث أدركهم التتار ) ، فهزموا أهل هذه البلاد هزيمة منكرة وقتلوا منهم عددا لا يحصى ( ذو القعدة سنة 617 ه ) . وفي ذلك يقول ابن الأثير « 1 » :
« ولقد جرى لهؤلاء التتار ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه . طائفة تخرج من حدود بلاد الصين لا تنقضى عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى بلاد أرمينية من هذه الناحية ويجاوزون العراق من ناحية همذان ، وتاللّه لا أشك أن من يجئ بعدنا إذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ، ينكرها ويستبعدها والحق عبيده ، فمن استبعد ذلك ، فلينظر أننا سطرنا نحن وكل من جمع التاريخ في زماننا في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها . . . يسر اللّه للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم . . . ولم ينل المسلمين أذى وشدة منذ جاء النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا الوقت مثلما دفعوا إليه الآن . وتعدّت هذه الطائفية منهم النهر إلى خراسان فملكوها وفعلوا
هامش
( 1 ) الكامل ج 12 ص 245 - 246 .
( م 10 - تاريخ الإسلام - ج 4 )