مثل ذلك . هذا العدو الكافر التتر قد وطئوا بلاد ما وراء النهر وملكوها وخربوها ثم إلى الري وبلد الجبل وأذربيجان [ كذا ] . وقد اتصلوا بالكرج فغلبوهم على بلادهم ، والعدو الآخر الفرنج قد ظهر من بلادهم في أقصى بلاد الروم بين الغرب والشمال ، ووصلوا مصر فملكوا مثل دمياط وأقاموا فيها ، ولم يقدر المسلمون على إزعاجهم عنها ولا إخراجهم منها . وباقي ديار مصر على خطر ، ف
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » .
كان ياقوت الحموي ( ت 626 ه ) معاصرا لغارة المغول ، وكان صديقا لابن الأثير ، وقد استطاع أن ينجو بنفسه من غارتهم ، وأن يخلف لنا صورة واضحة لما كانوا يلقونه في النفوس من رعب وفزع ، كما يتضح ذلك من إشاراته المتفرقة في كتابه « معجم البلدان » وفي خطاب أورده ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان ، وقد وجهه ياقوت « 1 » إلى القاضي الأكرم جمال الدين أبى الحسن على الشيباني القفطي وزير صاحب حلب في كتابه الذي أرسله إليه من الموصل في سنة 617 ه على أثر وصوله إليها من خوارزم هاربا من التتار يصف فيها ما حل بخراسان من التخريب والتدمير ولأهلها من الخطوب والويلات وما تعرض له من الأخطار حتى وصل إلى الموصل ، كما عبر ياقوت عن أسفه العميق وحزنه الدفين لتركه مدينة مرو الزاهرة العامرة بمكتباتها ، وقال إن ما اشتملت عليه من الكتب النادرة قد أنساه الأهل والأحباب والوطن والأصحاب . ثم وصف الرخاء والعمران اللذين كانت تنعم بهما خراسان حتى أصبحت شبيهة بجنة المأوى ورياض الخلد . ومما قاله ياقوت :
« ف
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
من حادثة تقصم الظهر وتهدم العمر ، وتفت في العضد .
وتشيب الوليد وتنخب لب الجليد ، وتسود القلب وتذهل اللب ، فحينئذ تقهقر المملوك « 2 » على عقبه ناكصا ومن الأوبة إلى حيث تستقر فيه النفس بالأمن آيسا . . .
فتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار وابتلاء واصطبار . الخ » « 3 » .
هامش
( 1 ) دون القفطي صورة هذا الخطاب في كتابه الذي سماه « إنباء الرواة على أنباء النحاة » ونقله ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان ج 5 ص 181 - 188 في ترجمة ياقوت الحموي .
( 2 ) يتكلم ياقوت عن نفسه ويصف حاله وما صادفه من أخطار .
( 3 ) براون : تاريخ الأدب في إيران ، الترجمة العربية ج 2 ص 552 - 553 .