وقد ذكر قدامة بن جعفر « 1 » الشروط التي يجب أن تتوافر في صاحب البريد فقال :
« يجب أن يكون ثقة ، إما في نفسه أو عند الخليفة القائم بالأمر في وقته ، لأن هذا الديوان ليس فيه من العمل ما يحتاج معه إلى الكافي المتصفح « 2 » ، وإنما يحتاج إلى الثقة المتحفظ ( المحترز ) . ولا غنى بصاحب هذا الديوان أن يكون معه منه « 3 » ما لا يحتاج في الرجوع فيه إلى غيره ، وما إن سأله عنه الخليفة وقت الحاجة إلى شخوصه وإنفاذ جيش يهمه أمره ، وغير ذلك مما تدعو الضرورة إلى علم الطرق بسببه ، وجد عتيدا « 4 » عنده ومضبوطا قبله ، ولم يحتج إلى تكلف عمله والمساءلة عنه » .
وكان الخلفاء العباسيون يكتبون لصاحب البريد عند توليته عهدا يرسمون له فيه الطريقة التي يجب أن يسير عليها . فقد ذكر قدامة بن جعفر « 5 » أنه يجب على صاحب البريد « أن يعرف حال عمال الخراج والضياع فيما يجرى عليهم أمرهم ، ويتبع ذلك شافيا ويستشفه استشفافا « 6 » ، وينهيه « 7 » على حقه وصدقه ، وأن يعرف حال عمارة البلاد وما هي عليه من الكمال والاختلال ، وما يجرى من أمور الرعية ، فيما يعاملون به من الإنصاف والجور والرفق والعسف ، فيكتب به مشروحا . . . وأن يعرف ما عليه الحكام في حكمهم وسيرهم وسائر مذاهبهم وطرائقهم . . . وأن يعرف حال دار الضرب وما يضرب فيها من العين والورق وما يلزمه الموردون من الكلف ( ما يكلفون ) والمؤن ، ويكتب بذلك على حقه وصدقه ، وأن يوكل بمجلس عرض الأولياء وأعطياتهم من يراعيه ويطالع ما يجرى فيه ، ويكتب بما تقف عليه الحال من وقته ، وأن يكون ما ينهيه من الأخبار شيئا يثق بصحته . . . وأن يعرض المرتبين لحمل الخرائط في عمله « 8 » . ويكتب بعددهم وأسمائهم ومبالغ أرزاقهم ، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها ، ويوعز إلى هؤلاء المرتبين بتعجيل الخرائط المنفذة على أيديهم ، وإلى الموقعين بإثبات المواقيت وضبطها حتى لا يتأخر أحد
هامش
( 1 ) كتاب الخراج وصنعة الكتابة ص 184 - 185 .
( 2 ) تصفح الكلام : بحث فيه وتأمله ، والكافي هو الخبير بالشئ الحسن التقدير له ، ثم أطلق على ما نسميه الآن « الموظف » .
( 3 ) أي من المعرفة بحال الطرق .
( 4 ) أي حاضرا من غير بحث وسؤال .
( 5 ) راجع آدم متز : الحضارة الإسلامية ، ترجمة أبى ريدة ج 1 ص 128 - 129 .
( 6 ) أي يبذل أقصى الجهد للوقوف على حقيقة أمره .
( 7 ) يوصله إلى دار الخلافة .
( 8 ) أي حمل الخريطة وهي الحقيبة التي تحوى الرسائل .