المستعين باللّه . وكان العباسيون لا يأمنون جانب الأتراك ، كما كان هؤلاء يعملون على تولية الخلافة من يطمئنون إليه من أمراء البيت العباسي . لذلك لم يرضوا بأن يولوا أحد من أولاد المتوكل حتى لا يثأر منهم لقتل أبيه المتوكل وسم أخيه المنتصر « 1 » .
على أن الأتراك وعلى رأسهم باغر التركي الذي اشترك في قتل الخليفة المتوكل ، سرعان ما قلبوا للمستعين ظهر المجن ، ولا سيما بعد أن اتصل إلى بمسامعهم أنه عول على القضاء عليهم وهنا انقسم الأتراك على أنفسهم : فريق منهم ، وعلى رأسه وصيف وبغا ، صحب الخليفة إلى بغداد ، وفريق آخر طلب إليه العودة إلى سامرا ، واعتذروا عما بدر منهم ، فامتنع عن تلبية طلبهم « 2 » .
ولما رأى الأتراك تنكر المستعين ( بن محمد بن المعتصم ) لهم وامتناعه عن العودة إلى سامرا ، خعلوه وبايعوا ابن عمه المعتز بن المتوكل . ومن ثم قامت الحرب بينهما ودامت عدة أشهر ، وأثر ذلك في حالة البلاد الاقتصادية ، فغلت الأسعار وعظم البلاء « 3 » .
ولما انهزم الخليفة المستعين استجار بمحمد بن عبد اللّه بن طاهر ، فخذله ومال إلى المعتز ، وانصرف أبو أحمد الموفق من بغداد إلى سامرا ، فخلع عليه المعتز وتوج ووشح بوشاحين ، وخلع على من كان معه من قواده ، وقدم على المعتز عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر أخو محمد بن عبد اللّه بالبردة والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة .
وقد أخرج الخليفة المعزول إلى واسط ، واختار الأتراك أحمد بن طولون ليصحبه ، فأحسن إليه وأطلق له الحرية في التنقل والصيد . وعلى الرغم من ذلك الفوز الذي أحرزه الأتراك بخلع المستعين ونفيه ، أوجسوا شرا من بقائه حيا ، وأوعزوا إلى المعتز أن خلافته لن تثبت إلا إذا قتل المستعين ، ووافقهم على ذلك قبيحة أم أم المعتز التي خافت على حياة ولدها أن تمتد إليه يد الأعداء ، فكتبوا إلى ابن طولون يطلبون إليه قتل المستعين ويمنونه ولاية واسط ، فلم يرض أن يقتل خليفة له في رقبته بيعة ، فأرسلوا سعيدا الخادم أحد حجاب القصر في شرذمة الجيش إلى واسط ، فتولى قتل الخليفة بنفسه « 4 » .
وصفوة القول أن موقف المستعين من الأتراك كان كما وصفه أحد الشعراء :
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 7 ص 40 .
( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 407 - 408 .
( 3 ) ابن الأثير ج 7 ص 49 - 50 .
( 4 ) المصدر نفسه ج 7 ص 60 - 61 .