على أن المتوكل رأى أن يقدم ابنه المعتز على أخويه المؤيد والمنتصر ، لمحبته لقبيحة أم المعتز . ويظهر أن ذلك كان راجعا إلى ما حاكه رجال بلاطه من دسائس لإقصاء المنتصر والمؤيد .
ولكن المنتصر غضب لذلك قد يرمع الأتراك مؤامرة لاغتيال أبيه . ولا غرو فقد حاول بعض الأتراك الملتفين حول المنتصر قتل المتوكل غيلة بدمشق ، ولكنهم أخفقوا في تدبيرهم بفضل بغا الكبير والفتح بن خاقان « 1 » . على أن بغا الصغير اتفق مع باغر التركي على قتل المتوكل ، فضربه بالسيف ، واستقرت الخلافة لابنه المنتصر .
ومن هنا يتبين مدى تغلغل نفوذ الأتراك في الدولة العباسية وأثرهم في تصريف شؤونها فيما بعد ، حتى إن الخليفة العباسي أصبح مسلوب السلطة مهيض الجانب ضعيف الإرادة .
« كانت أيام المتوكل - كما يقول المسعودي - ( ج 2 ص 294 ) في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها ، أيام سراء لا ضراء ، كما قال بعضهم : كانت خلافة المتوكل أحسن من أمن السبيل ورخص الشعر وأماني الحب وأيام الشباب » .
ويقول ميور « 2 » : « إن مدح المؤرحين لعهد المتوكل الذي دام خمس عشرة سنة أعاد في خلالها المذهب السنى إلى ما كان عليه وشجع الشعراء والعلماء ، يخفف بعض الشئ مما اشتهر به هذا العهد من الظلم المنطوى على القسوة والانغماس في الملاذ والتطرف في الآراء الدينية » .
المنتصر باللّه ( 247 - 248 ه ) :
خلف المتوكل ابنه وقاتله المنتصر باللّه في شوال سنة 247 ه ، وادعى أن الذي قتل أباه هو الفتح بن خاقان ، وأنه قتلا أخذا بثأر أبيه ، وبايعه الناس بالخلافة ، وبعث بنسخة البيعة إلى الأمصار « 3 » .
ولما تمت البيعة المنتصر حسن إليه الأتراك خلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد ، إذ كانوا يخشون بأسهما . وكتب كل واحد منهما رقعة بخطه أنه خلع نفسه من البيعة .
هامش
( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 389 - 390 .
( 2 )035 . p , etahpilaC ehT( 3 ) الطبري ج 11 ص 71 - 72 .