ومن آثار ابن أبي عامر بناء مدينة « الزاهرة » على نهر الوادي الكبير شرقي قرطبة والتي استغرق بناؤها سنتين ، ولم تلبث أن أخذت في الاتساع حتى اتصلت أرباضها بمدينة قرطبة نفسها ؛ كما بنى قرطبة . وبذل في سبيل بنائها 140 ألف دينار .
اشتهر المنصور بن أبي عامر بالذكاء والكرم والحزم والعدل والصبر على المكاره وغيرها من الصفات التي جعلته بحق أعظم حكام الأندلس في عهد هشام الثاني المؤيد .
وصفوة القول أن ابن أبي عامر كسب محبة الشعب ورجال الدين والجند بعلمه وبعد نظره وحسن سياسته . ولم يكن الخليفة هشام المؤيد من الصفات ما يؤهله لأن يكون من عظماء الرجال ؛ فقد انزوى في قصره ، وقضى أوقاته في اللهو . وكانت لابن أبي عامر مطامع خفية كما تقدم ، فحجر على هشام ومنع الناس من مقابلته حتى أصبح في الواقع سجينا ، ولم يبق له من مركز الخلافة إلا الاسم فقط « 1 » . وقتل ابن أبي عامر كل من وقف في سبيله من الأمراء وزعماء القبائل والقواد ، مدعيا أنه إنما كان يفعل ذلك لحماية الخليفة ، كما شرد حرس الخليفة من الصقالبة ، وأنشأ جيشا جديدا من المرتزقة من قبائل البربر ومن المسيحيين ، وقدم البربر على العرب وأقصى هؤلاء من مناصب الدولة . . .
وقد تولى ابن أبي عامر الحجابة نحوا من سبع وعشرين سنة كانت حافلة بجلائل الأعمال مليئة بالغزوات ، وتوفى في آخر غزواته ببلاد مسيحي الشمال في سنة 393 ه ، وحمل في سريره على أعناق الرجال وعسكره يحف به إلى أن وصل إلى مدينة سالم . وقد أحس نصارى الشمال نقرة شكيمته وشدة بأسه ، وفرحوا بموته فرحا عظيما إذا كانوا يعتبرونه حامى الإسلام .
الأندلس بعد وفاة المنصور الحاجب :
ولما مات المنصور بن أبي عامر سار ابنه أبو مروان عبد الملك الذي آلت إليه الحجابة وتلقب « المظفر » سيرة أبيه في الاستئثار بالسلطة دون الخليفة هشام الثاني المؤيد . « وكانت أيامه - كما يقول المراكشي « 2 » - أعيادا في الخصب والأمان ؛ دامت سبع سنين إلى أن مات . ثم ثارت الفتن من بعده ، وتقلد ما كان يتقلده أخوه عبد الرحمن الذي تلقب
هامش
( 1 )294 . p , niapS ni smelsoM ehT : yzoD( 2 ) المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 25 - 26 .