لم يفلح المناوئون لحكم هارون فيما دبروه ، بل لم تعد نصرتهم لربيعة حد التدبير والكتابة . وفي عهد هارون خرج القرامطة بالشام ( 290 ه ) وكانت تابعة لمصر ، فأنفذ والى مصر جيشا لمحاربتهم ، ولم يستطع هذا الجيش إخراجهم من الشام ، بل حلت به الهزيمة ، وأدى هذا الضعف إلى تجديد رغبة الخلافة العباسية في إعادة مصر إلى سلطانها المطلق ، فبعث الخليفة المستكفى ( 289 - 295 ه ) محمد بن سليمان الكاتب لاستردادها من هارون « 1 » ، فنزل بحمص وبعث بأسطول إلى سواحل هذه البلاد ، ثم واصل السير إلى فلسطين . وخرج هارون بن خمارويه لدفع سليمان عن دخول مصر ، وسير المراكب الحربية لقتاله . وفي تنيس التقى الأسطولان العباسي والمصري ، فحلت الهزيمة بأسطول مصر ، ووقعت تنيس ودمياط في يد محمد بن سليمان .
رأى هارون أنه لا طاقة له بهزيمة الجيش العباسي ، فصمم على الفرار ، ولجأ إلى العباسة « 2 » ، ومعه أهله وأعمامه ونفر يسير من جنده . وفي هذا المكان قتله عماه شيبان وعدى ابنا أحمد بن طولون ، وهو منشغل باللهو ثمل بالخمر ( صفر سنة 292 ه ) ، ولم يناهز حينذاك الثانية والعشرين من عمره .
هكذا انتهت ولاية هارون الذي قتل على يد عميه ، فكان طبيعيا إذا أن يؤول أمر هذه الولاية إلى أحد قتلته . وقد آلت فعلا إلى عمه شيبان الذي لم يلبث أن سار إلى الفسطاط ليتسلم مقاليد هذه الولاية . بيد أن هذا العمل لم يرض الجند ، بل أغضبهم بمقدار ما أغضبهم قتل مضر بن أحمد بن طولون على يد ابن أخيه جيش بن خمارويه من قبل . وأنكر القواد والجند جميعا ما أتاه شيبان وأخوه ، ولم يعترفوا بولاية شيبان ، وكاتبوا محمد بن سليمان وطلبوا منه المسير إلى مصر ، فسار حتى نزل العباسة حيث لقيه طغج بن جف في
هامش
( 1 ) الطبري 2 : 2251 - 2252 .
( 2 ) قال ياقوت في معجمه : هي بليدة أول ما يلقى القاصد لمصر من الشام من الديار المصرية ، ذات نخل طوال وقد عمرت في أيامنا ؛ لأن الملك الكامل بن العادل بن أيوب جعلها من متنزهائه .
وكان يكثر الخروج إليها للصيد ، لأن إلى جانبها مما يلي البرية مستنقع ماء يأوى إليه طير كثير ، فهو يخرج إليها للصيد ، بينها وبين القاهرة خمسة عشر فرسخا . سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون التي صحبت قطر الندى ابنة أخيها خمارويه في طريبها إلى بغداد لترف إلى الخليفة المعتضد العباسي .
وفي هذا الموضع عملت عباسة قصرا أحكمت بناءه ، وفيه ودعث ابنة أخيها ، ومن ثم عمر ذلك المكان المنفر ، وصار بلدا فكان يقال له قصر عباسة ، ثم أطلق عليه فيما بعد عباسة فقط ، ويطلق الآن على بلدة بجوار الزقازيق .