وفي شهر رمضان سنة 259 ه مات يارجوخ صاحب إقطاع مصر الذي كان ابن طولون يحكمها نيابة عنه ويدعو له على منابرها بعد الخليفة ، فتوطدت قدمه في هذه البلاد وأصبح واليا عليها من قبل الخليفة مباشرة . وفي سنة 263 ه كتب الخليفة المعتمد ( 256 - 279 ه ) إلى ابن طولون يستحثه على إرسال الخراج ، فرد عليه : « لست أطبق ذلك والخراج في يد غيرى » ، فقلده خراج مصر ، وولاه الثغور الشامية ، وبذلك أصبحت جميع أعمال مصر الإدارية والقضائية والعسكرية والمالية في يده .
بعد أن قضى ابن طولون على الصعاب التي قامت في وجهه في مصر ، اعترضته صعوبته كادت تقضى على أماله ، لولا ما أوتيه من حسن السياسة وعلو الهمة ورباطة الجأش . وكان مصدر هذا الشر أبو أحمد الموفق طلحة ، الذي غلب على أخيه الخليفة حتى إنه لم يبق له من الخلافة إلا اسمها ، كما أن ثورة الزنج الطاحنة أثارت عداء الموفق لابن طولون والى مصر ، الذي وقف على مدى الخطر الذي هدد سلامة الدولة العباسية من ناحية الزنج ، فبعث إلى الموفق بمليون ومائتي ألف دينار استقل هذا المال ، وبعث إلى ابن طولون بكتاب ينطوى على الجفاء والشر ، فرد عليه بكتاب شديد اللجهة .
وعلى الرغم من أن الخليفة العباسي كان يميل إلى ابن طولون ، أرعم على عزله من ولاية الثغور الشامية ، ولكنه لم يلبث أن ردها إليه بعد أن اضطربت أحوالها . ووجد ابن طولون الفرصة سانحة لأخذ بلاد الشام بعد وفاة واليها مأجور لاشتغال الموفق بحرب صاحب الزنج ، وخشي ضياع ولاية الثغور منه بسبب وقوع بلاد الشام بينها وبين مصر ، وسار بجيشه نحو بلاد الشام ، فدانت له أمهات مدنها ، ودعى له على منابرها ( 264 - 265 ه ) ، ولكنه اضطر إلى العودة إلى مصر لقمع ثورة ابنه العباس . ثم خرج ابن طولون إلى الشام ( جمادى الأولى سنة 269 ه ) بعد أن اتصل به نبأ خروج لؤلؤ والى الرقة عليه وانضمامه إلى الموفق ، واستخلف على مصر ابنه خمارويه . وبينما هو في طريقه إليها ، بلغه خروج أهل طرسوس عليه ، فعول على المسير إليها . ولكنه لما وصل إلى دمشق جاءه كتاب الخليفة العباسي ينبئه فيه بالمسير إليه والاحتماء به . ورحب ابن طولون بهذه الفكرة لما تنطوى عليه من تقوية شأنه في مصر . ولكن ابن كنداج عامل الموصل والجزيرة قبض على الخليفة المعتمد وساقه إلى سامرا ، وكوفي بولاية مصر .
وقد فعلت سياسة الموفق فعلها في الناس ، فقد كان من أثر لعن الخليفة ولعن ابنه المفوض وأخيه الموفق لابن طولون ، وانضمام لؤلؤ ومن معه من القواد ومنافسة ابن كنداح له
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 128
مساهمون: حسن ابراهيم حسن
ص١٢٨