وينقشون اسمهم على السكة ، إذ لم يكن من السهل عليهم أن يتركوا دار الخلافة وما فيها من نعيم وترف ويأتوا إلى مصر للإقامة فيها . ولما أسقط الخليفة المعتصم العرب من ديوان العطاء ، واعتمد على الأتراك ، انتشر العرب في ريف مصر ، واحترفوا الزراعة وغيرها طلبا للرزق ، وأخذ العنصر العربي يضعف شيئا فشيئا ، وبدأ ظل الولاة من العرب يزول بإحلال ولاة من الأتراك محلهم . ولم يل مصر بعد ذلك عربى إلا عنبسة بن إسحاق ( 238 - 242 ه )
تقلد « باكباك » التركي مصر ، فاستخلف عليها ابن طولون وجعله على حاضرتها ، وضم إليه جيشا فدخلها في شهر رمضان سنة 254 ه . وكان ولاة مصر في ذلك العصر لا ينيبون عنهم شخصا واحدا في هذه البلاد ، وإنما كانوا يقسمون أعمالها بين عدة أشخاص ، ليكون كل واحد منهم عينا على الآخر ؛ فلا يتطلع أحدهم إلى الاستقلال بها في يده خشية اتفاق الآخرين عليه . وكان هؤلاء الأتراك يستدون القضاء والخراج لغير هؤلاء الولاة ؛ وبذلك كانت أعمال مصر عندما دخلها أحمد بن طولون مقسمة بين عدة أشخاص : فكان على الإسكندرية إسحاق بن دينار ، وعلى برقة أحمد بن عيسى الصعيدى ، وعلى القضاء بكار بن قتيبة ، وعلى البريد شقير الخادم غلام قبيحة أم المعتز ، وعلى الخراج أحمد بن المدبر .
من ذلك نرى أن ولاية مصر لم تصف لابن طولون ، لأنه إنما تقلد قصبة هذه البلاد دون غيرها ، إذ كان يحكمها باسم واليها باكباك . وفي استطاعته أن يعزله إذا لم يحز رضاه .
هذا فضلا عما كان من منافسة ابن المدبر عامل الخراج في مصر ومثابرته على الإيقاع به عند الخليفة « 1 » . ومن قيام الثورات التي أضرم نارها الخوارج في مصر ومن بينهم ابنه العباس ، إلى ما كان من سخط أبى أحمد طلحة ولى العهد عليه وعمله على صرفه عن هذه البلاد . فلم يكن بد من أن يعمل بن طولون على التغلب على هذه الصعاب وتثبيت قدم أولاده من بعده .
قتل باكباك فتولى مصر يارجوخ صهر أحمد بن طولون ، فكتب إليه « تسلم من نفسك لنفسك » . وبذلك أقره على ما بيده ، وزاد في سلطته بأن استخلفه على مصر كلها .
وزاد قلق ابن المدبر عامل الخراج الذي أثار سخط المصريين بزيادة الضرائب ، واستعماله القسوة في جبايتها ، وعمل على عزل ابن طولون ، وخشي عاقبة أمره في مصر ، فطلب صرفه عن خراجها . وتقلد خراج دمشق وفلسطين والأردن في سنة 257 ه ، وتقلد خراجه مصر من بعده أحمد بن خالد .
هامش
( 1 ) اتخذ ابن المدبر حرسا من مولدي الغور ( وهي جبال وولاية بين هراة وغزنة ) وكانوا طوال الأجسام ذوى بأس وإقدام : يتدرعون بالأقبية والمناطق ويحملون بأيديهم مقارع غليظة على طرف كل منها مقمعة من فضة ( وهي عمود من الحديد ) . وكانوا يقفون بين يديه إذا جلس ويركبون بين يديه إذا ركب فتزيد هيبتهم في نفوس الناس . وقد عمل ابن طولون على إقصاء هذا الحرس الذي رآه بين بنى يديه يوم خرج للقائه وطلب أن يستعيض الهدية التي بعث بها إليه ابن المدبر بهؤلاء الغلمان ليقضى بذلك على نفوذه وهيبته .