كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم وعلمائهم وكرمائهم . كان يحج سنة ويغزو سنة مدة خلافته إلا سنين قليلة . وكان يصلى كل يوم مائة ركعة ؛ وحج ماشياو لم يحج خليفة ماشيا غيره . وكان إذا حج حج معه مائة ألف من الفقهاء وأبناؤهمو إذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة . وكان يتشبه في أفعاله بالمنصور إلا في بذل المالفإنه لم ير خليفة أسمح منه بالمالو كان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر . وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقهو يكره المراء في الدين .
قال الأصمعي : صنع الرشيد طعاماو زخرف مجلسهو أحضر أبا العتاهية وقال له : صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيافقال أبو العتاهية :
عش ما بدا لك سالما * في ظل شاهقة القصور
فقال الرشيد . أحسنتثم ماذا ؟ فقال :
فإذا النفوس تقعقعت * في ظل حشرجة الصدور
فهناك تعلم مؤقتا * ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيدفقال الفضل بن يحيى : بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته فقال الرشيد : دعهفإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه .
اشتهر الرشيد بحسن معاملة العلماء . قال أبو معاوية الضرير أحد علماء عصره :
أكلت مع الرشيد يومافصب على يدي الماء رجلفقال لي : يا أبا معاوية ! أتدري من صب الماء على يدك ؟ فقلت لا يا أمير المؤمنينفقال : أنافقلت :
يا أمير المؤمنين ! أنت تفعل هذا إجلالا للعلمقال : نعم « 1 » .
قال الخطيب البغدادي « 2 » : « اجتمع للرشيد ما لم يجامع لأحد من جد وهزل :
وزراؤه البرامكةلم ير مثلهم سخاء وسروراو قاضيه أبو يوسفو شاعره
هامش
( 1 ) الفخري ص 175 - 176 .
( 2 ) تاريخ بغداد ج 14 ص 11 .