ومن ذلك نستطيع أن نقف على مبلغ خطر مركز الأسرة البرمكية في أيام هارون الرشيد الذي وثق بهمو فوض إليهم أمور دولته . ولا نعجب إذا انصرف الناس إليهم ونظموا القصائد الرائعة في مدحهم والتغني بكرمهم وجودهم الذي كان مضرب الأمثال .
وقد قيل إن الرشيد حج ومعه يحيى بن خالد بن برمك وابناه الفضل وجعفر .
فلما وصلوا إلى المدينة المنورةجلس الرشيد ومعه يحيى فأعطيا الناسو جلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناسو جلس المأمون ومعه جعفر فأعطيا الناس . وقد ضربت الأمثال بكثرة هذه الأعطيات الثلاثحتى كانوا يسمون هذا العام عام الأعطيات الثلاث .
وقد بلغ من جود يحيى وكرمهأنه كان إذا ركب أعد صررا في كل منها مائتا درهم يدفعها إلى الذين يقفون في طريقه ويلتمسون معونته . لهذا لا نعجب إذا تلمس الوشاة وعمال السوء أسباب الإيقاع بالبرامكةالذين بلغوا أوج عظمتهم وذروة عزهمو قصدهم الرائح والغادى والحقير والنبيل .
3 - صفات الرشيد وأخلاقه - وفاته :
« كان هارون أبيض طويلا مسمنا جميلا » « 1 » . « وكانت دولة الرشيد » كما يقول ابن طباطبا « 2 » : « من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا وأوسعها رقعة مملكة . جبى الرشيد معظم الدنيا . . . ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء والمغنين ما اجتمع على باب الرشيد . وكان يصل كل واحد منهم أجزل صلة ويرفعه إلى أعلى درجة .
وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والآثار والأشعارصحيح الذوق والتمييز مهيبا عند الخاصة والعامة » .
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي : كتاب تاريخ بغداد ج 14 ص 5 .
( 2 ) الفخري ص 177 - 178 .