ولما أهلت سنة 191 ه خرج إدريس الثاني يرتاد موضعا آخر ببنى فيه مدينته .
ولما وصل إلى وادى ( أو نهر ) « سبو » ( بكسر السين ) رأى حمة ( بفتح الحاء وتشديد الميم مع الفتح ) خولانو هي حمة سيدي حرازم الآنو تبعد عن فاس بنحو عشرة كيلو مترات وتشتهر بمياهها المعدنية وقد أعجبه هذا المكان لقربه من الماء ووجود هذه الحمة فيهفشرع في وضع الأساس وقطعت الأخشاب وصنع الجير وغيره من أدوات البناءو بدىء في العمل . ولكن « إدريس » عدل عن البناء مرة أخرى لأنه خشي أن تتعرض مدينته لفيضان وادى « سبو » في فصل الشتاءو قفل راجعا إلى مدينة وليلىو بعث وزيره عميرا يرتاد له موضعا يفي بأغراضه .
سار هذا الوزير في جماعة من قومه حتى بلغ « فحص سايس » وهو سهل فسيح يمتد بين جبل زرهون والحاجب وتقع في وسطه مدينة فاس الآن . فوجد اتساع رقعة المكان واعتدال هوائه وكثرة مائهفنزل ودعا اللّه أن يستجيب لدعائهثم امتطى صهوة جواده وأمر قومه أن ينتظروه عند تلك العين حتى يعود إليهم . ومن ثم نسبت إليه هذه العين فسميت « عين عمير » ثم واصل الوزير سيره حتى وصل إلى العين التي ينبع منها وادى فاسفرأى أكثر من ستين عينا تنساب مياهها في أرض فسيحة تحيط بها المزارع والأشجار . ولما شرب من ماء هذه العين استطابه وقال : « ماء عذب وهواء معتدلثم سار عمير في الوادي حتى وصل إلى موضع مدينة فاس الحالىفنظر إلى الجبلينفوجد غيطة « 1 » كثيفة الأشجار عامرة بالعيون والأنهارو شاهد في بعض مواضعها خياما من شعر يسكنها قوم من زناته . واطمأن الوزير إلى ما رأىفعاد إلى وليلى ووصف لمولاه إدريس الثاني هذا المكان وذكر له ما يمتاز به من وفرة مائه وجودة تربته
هامش
( 1 ) الغيطة هي جزء من الأرض غنى بمائه وأشجاره وجمال خضرته . ومن هذا التعبير أخذ لفظ الغيط في الاصطلاح المصري بمعنى الحقل .