ويتبين ذلك من عبارات ابن قتيبة في مقدمة كتابه « الشعر والشعراء » :
« ولم أقصد فيما ذكرته من شعر كل شاعرمختار له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيرهو لا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه ، ولا المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخرهبل نظرت بعين العدل على الفريقينو أعطيت كلا حقهو وفرت عليه حظه . فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه موضع متخيرهو يرذل الشعر الرصينو لا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه » « 1 » .
ومن هؤلاء الشعراء أبو تمام الطائي الأكبر المشهور بنزعته العقلية والفلسفية في الشعرو تلميذه أبو عبادة البحتري صاحب الأوصاف البديعة والمدائح الخالدةو ابن الرومي المعروف بطول نفسه وغزارة شعره وغوصه على نادر المعاني وعجيب التصوراتو أبو العتاهية الذي برع في فنون الشعرفاشتهر بالغزل الرقيقو على الأخص في عتبة جارية المهدى التي قال فيها :
يا عتب مالي ولك * يا ليتني لم أرك
ملكتنى فانتهكى * ما شئت أن تنتهكى
أبيت ليلى ساهرا * أرعى نجوم الفلك
مفترشا جمر الغضى * ملتحفا بالحسك « 2 »
كما امتاز شعره بالحكمة والموعظةو هو القائن :
إنّ أخاك الصدق من كان معك * ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ربب الزمان صدعك * شتّت شمل نفسه كي يحمعك « 3 »
قال الثعالبي في كتابه « يتيمة الدهر » : إن الشعراء المحدثين فاقوا شعراء الجاهلية في رقة اللفظ وعذوبة المعنى .
هامش
( 1 ) ابن سلام . كتاب طبقات الشعراء ( طبعة القاهرة ) ص ؟ ؟ ؟ .
راجع .. 7 - 582 . pp , noslohciN( 2 ) يعنى حسك السعدان ، والحسك أيضا ما يعمل من الحديد على مثاله وهو من آلات العسكر . المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 231 .
( 3 ) المصدر نفسه ج 2 ص 252 .