إلى الحكم التركي كان مظهرا من مظاهر الثورة التي أحس بها معظم أجزاء الخلافة وأدت إلى إضعاف سلطة الخليفة وزوالها في النهاية » . ومن ذلك الوقت الذي التحم فيه العرب بالأتراك على ضفاف نهر سيحونو أضحى هؤلاء تحت النفوذ العربي سار لهؤلاء الأسرى مجال فسيح في الأسر الإسلامية : فقوة أبدانهم وجمال طلعتهم وشجاعتهم وأمانتهم - كل هذه الصفات أكسبتهم ثقة كبار الأمراء من العرب وخاصة الخلفاءالذين اعتقدوا أنهم باعتمادهم على أمانة هؤلاء الأجانب الذين اشتروهم بالماليكونون أكثر طمأنينة على أنفسهم من اعتمادهم على أبناء جلدتهم من العرب الذين عرفوا بالغيرة والحسدأو على الفرس الذين تفاقم نفوذهم حتى عده الخلفاء العباسيون مهددا لكيان دولتهم وسلامتها . وكان لهم إلى ذلك الوقت نصيب كبير في إدارة شؤون الدولة العربية .
ولم يلبث الأتراك أن أصبحوا آفة على أهل بغداد الذين عانوا من عنتهم وجورهم شيئا كثيرا . وفي ذلك يقول المسعودي « 1 » « إن الأتراك كانوا يؤذون العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول في الأسواقو إلحاق الأذى بالضعفاء والصبيان فكان أهل بغداد يثورون على بعضهم فيقتلونهم إذا صدموا امرأة أو شيخا كبيرا أو صبيا أو ضريرا » . وقد زاد الطبري « 2 » هذه المسألة بيانا فقال : « إن غلمانه الأتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في أرباضهاو ذلك أنهم كانوا عجما جفاةيركبون الدواب فيتراكضون في طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الرجل والمرأةو يطثون الصبى فيأخذهم الأبناء « 3 » فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهمفربما هلك من الجراح بعضهمفشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم وتأذت بهم العامةفذكر أنه رأى المعتصم راكبا منصرفا من المصلى في يوم عيد أضحى أو فطر . فلما صارفى مربعة الحرشىنظر إلى شيخ قد قام إليه
هامش
( 1 ) مروج الذهب ج 2 ص 349 .
( 2 ) ج 10 ص 311 .
( 3 ) الأبناء هم البقية الباقية من الفرس الذين طردوا الأحباش من اليمن أيام سيف ابن ذي يزن الذي استنجد بكسرى أنوشروان فأرسل معه قائده وهريز .