ويكشفون لكم أغطية ما لا تعلمون فقد صحبوا لكم الدهور ومارسوا لكم الأمور وعرفوا حوادث الأزمنة ، واعراضها واقبالها وإدبارها ، فروضوا أنفسكم لهم وتجرعوا مراراتهم ، فقد قيل : أن من جرعك مرا لتبرأ اشفق عليك ممن جرّعك حلوا لتسقم .
وينبغي « 1 » ان لا يدخل الملك في مشورته بخيلا ولا جبانا ولا حريصا ولا معجبا ولا كذابا ، لأن البخيل يقصر بعقلك ، والجبان يخوفك ما لا تخاف ، والحريص يعدك ما لا يرجى ، فقد كان يقال : البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن . وقال عبد الملك بن مروان لبعض عماله : لا تستعن في امر دهمك ( برأي كذاب ) « 2 » ولا معجب ، فإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد عنك القريب واما المعجب فليس له رأي « 3 » صحيح « 4 » ولا رواية تسلم .
وينبغي للملك إذا اتى كل واحد بما عنده من الرأي ، أن يتصفح أقوالهم ويكشف عن أصولها وأسبابها ويبحث عن نتائجها وعواقبها مع مشاركتهم جميعا في الارتياء والاجتهاد ، ويتوقف « 5 » في ذلك وليحذر مبادرة العمل بالرأي قبل امعان النظر فيه ، فقد قيل : أضعف الرأي ماسخ « 6 » للبديهة ابتداء ( وقيل ) « 7 » : أفضل الرأي ما تكررت الفكرة بعده وأحكمت الروية عقده ، وكان يقال : كل رأي لم تتمخض به الكفرة ليلة كاملة فهو مولود « 8 » لغير تمام .
وقال عبد اللّه بن وهب : دعوا الرأي يغب « 9 » ثلاثا فإن غيابه « 10 » يكشف عن
هامش
( 1 ) وكان يقال لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بعقلك ولا جبانا فيخوفك ما لا تخاف ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى ، فإن البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة : ف .
( 2 ) كذبا : ط . ق ؛ م .
( 3 ) ساقطة : ط . ق .
( 4 ) نصح : ف .
( 5 ) وليتوقف : م ؛ ط . ف .
( 6 ) منح للبديهة ابتداء : م . منح : ب . البديهة ساقطة .
( 7 ) وفضلة : ط . ق . وأفضل : م .
( 8 ) كمولود : م ؛ ط . ق .
( 9 ) يغب : ساقطة ب ؛ ط . ق ؛ س .
( 10 ) عيوبه : س ، ب ، م .