الصرح الفلسفي الذي لا زلنا ننهل ونستقي من ينابيعه حتى اليوم ، فقد قدر لحضارة القرنين الرابع والخامس الهجريين أن تستمر ناشطة مزدهرة إلى ما بعد القرن السادس حيث تقاسم الأتابكة إمبراطورية السلاجقة وأسسوا دويلات متناحرة في الموصل والجزيرة وأذربيجان وحلب والشام وفارس ، وأسهم ورثة السلاجقة خلال عهد الإقطاع العسكري ( أو حكم الأتابكة ) في المحافظة على البناء الثقافي والحضاري والديني الموروث ، وعملوا جادين في بعث الشريعة وتنشيط العلوم النقلية لا سيما الفقه لتدعيم نفوذهم وبقاء السلطة بأيديهم لأطول مدة ممكنة .
وقد حاول هؤلاء عبر المؤسسات العلمية والثقافية إيجاد تقاليد أو مفاهيم جديدة تبرر تمركز السلطة بأيديهم عن طريق حث العلماء على خلق صيغ بديلة تحقق نوعا من التوافق والتلازم بين السلطة والشريعة ، بعد أن أضحت الشريعة قاصرة عن استيعاب أو تفسير طبيعة المرحلة الجديدة ، وبكلمة ثانية ، أن المفاهيم الفقهية والاجتهادات الكلامية الممثلة بمدرسة الفقهاء والنظرية الإسلامية الكلاسيكية لم تعد قادرة على تفسير وتوضيح معالم المرحلة الجديدة التي نتجت عن أفول نجم دولة السلاجقة عام 547 ه خلال عهد السلطان مسعود ، لذلك بات ضروريا إعادة النظر في الكتابات الفقهية وتفسير الشريعة بحيث تستوعب متغيرات الواقع وطبيعة المرحلة الجديدة من تاريخ الأمة ، وقد تبلور ذلك بالفعل من خلال كتابات سياسية ذات أصول يونانية وهلينستية وفارسية ساسانية وهندية مثلت المرحلة بدقة وكادت أن تكون تعبيرا صارخا وحقيقيا لمتطلبات العصر ، وكان غرضها إصلاحيا نفعيا يكمن في المحافظة على السلطة بيد الحاكم أطول مدة ممكنة ، وكانت تلك الكتابات السياسية ذات طابع أخلاقي تعليمي صرف ، جاءت في صيغ وصايا ونصائح أخلاقية وأمثال وحكايات ومأثورات ، أما أبرز تلك الكتابات فهي « قابوس نامه » « 1 » و « سياست نامه » و « سراج الملوك » و « سلوان المطاع في عدوان الاتباع » وغيرها من الكتب السياسية والأخلاقية .
إن هذه المؤلفات هي بمثابة نماذج تصور تلك المرحلة التاريخية وتعبر بدقة عن ثقافة العصر ، فقابوس نامه « 1 » الذي ألفه الأمير قابوس بن وشمگير تجسيد
هامش
( 1 ) قابوس نامه كتاب ألفه الأمير قابوس بن زيار في أواخر أيامه لخص فيه تجاربه الشخصية وصور واقع -