البلاد الإسلامية .
إن هذه التحديات التي واجهت السلاجقة ، وهم الذين كانوا يجهلون اللغة العربية وحضارة العرب آنذاك ، دفعهم منذ البداية إلى اعتناق الإسلام وتبني الحضارة الإسلامية واحياء الشريعة على أساس المنهج السلفي المحافظ والأخذ بنظم الحكم الفارسية انطلاقا من اعتقاد سائد آنئذ أن للفرس السياسة والأداب والحدود والرسوم « 1 » . وبنتيجة ذلك سادت حركة بناء الدولة من الناحية السياسية جنبا إلى جنب مع حركة الاحياء العقيدي والثقافي ، فازدهرت العلوم الكلامية ونشط علم الفقه والحديث والقراءات ، وانتشرت دور العلم ومراكز الثقافة في أرجاء العالم الإسلامي ، ومن مظاهر ذلك تلك النهضة التي بدأها خواجة نظام الملك « 2 » فأسس عددا من المدارس بأمر من السلطان ملكشاه السلجوقي 465 - 485 ه / 1072 - 1092 م عرفت بالمدارس النظامية ، وكان منها نظامية بغداد والبصرة ونيسابور وطبرستان ومرو وأصبهان وغيرها ، وقد تخصصت تلك المدارس بتعليم الفقه والعلوم الشرعية على المذهب الشافعي ، كما نشطت في تعليم مختلف العلوم النقلية والعقلية من حديث وكلام ونحو ولغة وتفسير وقراءات ، وابتنى نظام الملك بيمارستانا بنيسابور ورباطا ببغداد . أما أساتذة النظاميات فكانوا من كبار العلماء المشهورين والقضاة والفقهاء المتخصصين بالعلوم الشرعية نذكر منهم : أبو إسحاق الشيرازي ( ت 476 ه ) وأبو بكر الخجندي ( ت 483 ه ) وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني ( 419 - 478 ه ) وأبو حامد الغزالي ( 450 - 505 ه ) وأخوه أحمد ، وأبو جعفر محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الصباغ الشافعي ( 508 - 585 ه ) وغيرهم ممن لاقى التقدير والاجلال لدى الخلفاء العباسيين وسلاطين السلاجقة .
إن السياسة الرائدة التي انتهجها حكام السلاجقة ووزيرهم نظام الملك لجهة تشجيع العلم والعلماء واحياء الفكر الديني السلفي ، كان لها ولا شك كبير الأثر في ديمومة الدولة السلجوقية واستمرار الحضارة العربية الإسلامية ، وفي بناء
هامش
( 1 ) قا : التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة ، القاهرة 1939 ، ج 1 ، ص 74 .
( 2 ) انظر : السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، 3 : 137 .