الأقاليم والمقاطعات ، فضلا عن مشاحنات الصليبيين فيما بينهم ، وسياسة آل زنكي وفاعليتها على المستوى السياسي والعقائدي .
أما الحركة العلمية والثقافية والدينية فقد نشطت وتهيأت لها « 1 » أسباب التقدم والازدهار خلال العهد الأيوبي ؛ فالسلطان صلاح الدين كان نصيرا لفقهاء السنة وحامي الإسلام ، كما كان سدا منيعا ضد التيارات الشيعية الفاطمية المناهضة لدولة الخلافة العباسية ؛ استعان بالمستشارين الأذكياء والعلماء الأكفاء نذكر منهم :
« أبو شامة » مؤرخ سيرتي نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي في كتاب « الروضتين في أخبار الدولتين » ، وقاضي القدس « بهاء الدين بن شداد » الذي التحق بصلاح الدين في أواخر أيامه عام 584 ه وأرخ له في كتاب « النوادر السلطانية » ، والقاضي الفاضل « العسقلاني » ( 529 - 596 ه ) رجل الإدارة الأول في الدولة الأيوبية الذي دون يوميات رسمية طوال مدة تسلمه لمنصب الوزارة وأعمال الديوان وعماد الدين الأصفهاني صاحب كتاب « الفتح القسي في الفتح القدسي » وكاتب صلاح الدين الخاص المكلف بإعداد الرسائل وتوجيهها إلى الأمراء والولاة ، ولعماد الدين هذا مساهمات في إحياء الحركة العلمية ودفع مؤسسات الدولة إلى الأمام بفضل مواهبه ونبوغه وسعة علمه . ويعتبر « اسامة بن منفذ » من أفضل من أرخ ووصف عصر صلاح الدين ؛ فقد دوّن في كتاب « الاعتبار » مذكرات دقيقة وموضوعية تنير لنا أحوال البلاد الشامية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية ، وتكشف عن علاقة المسلمين بالنصارى ، وتصور طبائع الفرنجة وأخلاقهم « 2 » .
ومن المرجح أن يكون كاتبنا واحدا من جملة أولئك الكتاب والعلماء الذين خدموا الدولة الأيوبية ، واتحفوا مكتباتها بمؤلفاتهم القيمة ، فقد اتصل المؤلف بصلاح الدين مباشرة أو بطريق غير مباشر ، وأهداه كتابين : « النهج المسلوك في سياسة الملوك » و « نهاية الرتبة في طلب الحسبة » ، وقد أشار هو نفسه إلى ذلك عندما قال « 3 » : « لما كان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين ، سلطان الإسلام
هامش
( 1 ) انظر : د . م . الاسلامية ، 14 : 266 . بروكلمان ، تاريخ الشعوب الاسلامية ، ص 358 - 359 .
( 2 ) قا : كتاب الاعتبار ، أسامة بن منقذ ، تحقيق فليب حتى ، الدار المتحدة بيروت ، 1981 ، ص 115 ، 136 - 143 ، 170 - 174 ، 232 .
( 3 ) النهج المسلوك في سياسة الملوك ، مقدمة الكتاب .