واستطاع عماد الدين زنكي أيضا أن يواجه التحديات داخل البلاد الإسلامية ويصمد في وجه المؤامرات ، وكاد يقضي على أسباب الفوضى والفتن والمنازعات ضمن مناطق نفوذه ، ويحدث نهضة عمرانية وثقافية عظيمة لو طال به العمر ، فقد دبّر السلطان ألب أرسلان السلجوقي ضده مؤامرة أودت بحياته عام 541 ه / 1146 م وهو يحاصر قلعة جعبر ، غير أن نجله وخليفته نور الدين زنكي « 3 » أخذ على عاتقه تنفيذ ما رسمه والده وعمل على تحقيق الحرية والاستقلال ووحدة البلاد الإسلامية ؛ فحارب الصليبيين وقلّم أظافر الشيعة الإسماعيلية ، وحدّ من سطوة الاقطاعيين ومن نظام الإقطاع العسكري ، ثم انتزع دمشق من أيدي طغتكين وقطع وسائط الاتصال بين دمشق والقدس ، وحرر بانياس وبصرى وصلخد من نفوذ الإسماعيلية .
وما من شك أن نور الدين زنكي منذ توليه السلطة وضع نصب عينيه قضية الإسلام والمسلمين ؛ ففي الوقت الذي كان فيه القادة المسلمون وحكام الأقاليم يتفقدون أملاكهم واقطاعاتهم ويسعون لتحقيق استقلالات مزيفة ضمن حدود جغرافية وسياسية ضيقة ، كان نور الدين يعمل على تحقيق وحدة شاملة لشعوب الشرق الإسلامية في ظلال دولة الخلافة العباسية السنية ، وكان في جميع ذلك يرى أنه ما من أمل في الوصول إلى الغايات ما لم يزل الخطر الصليبي الجاثم على الأرض الإسلامية ، ويقضي على الجماعات الشيعية المنتشرة بين مصر وبلاد الشام وفارس .
والواقع ان أهداف نور الدين زنكي السياسية كانت تسير جنبا إلى جنب مع حركة الاحياء الفكري العقيدي والثقافي والعمراني ؛ فقد شجع العلوم وأسس المدارس وأحيا السنة ، وأنعم على العلماء والزهاد والصوفية ، وعطف على الفقهاء واتخذهم مستشارين وأعوانا ، وكان أبرزهم قطب الدين النيسابوري ، والقاضي
هامش
- مختصر تاريخ العرب ، سيد أمير علي ، ص 294 - 298 . تاريخ الشعوب الاسلامية بروكلمان ص 346 - 347 .
( 3 ) قا : عن حياة نور الدين زنكي وتاريخه السياسي ، البداية والنهاية ، ابن كثير ، 12 : 277 - 284 .
الكامل في التاريخ ، ابن الأثير ، 9 : 124 - 125 . تاريخ الشعوب الاسلامية ، بروكلمان ، ص 328 .