خلاصة عامة :
أثبتت الوقائع التاريخية والراهنة ، أن الروابط والولاءات التقليدية سبقت في وجودها قيام النظام اللبناني بأطواره المختلفة . ولكن لم تتحول هذه الروابط إلى وحدات سياسية إلا مع وجود حقل سياسي وفّر المناخات الملائمة لكي تعمل من خلاله .
لقد برزت أولى تجليات هذه المناخات ، مع نظام المتصرفية بتقسيماته الإدارية بين الطوائف في الجبل على منطقة بعلبك - الهرمل ، حيث أفسح المجال أمام بروز مواقع عائلية في السلطة والإدارة . وقبل ذلك التاريخ لم يكن هناك حق سياسي للطائفة في مواقع السلطة والإدارة في هذه المنطقة التي كانت خارج النظام المعمول به في جبل لبنان .
فباستثناء عائلتي الحيادرة والحماديين اللتين كانتا قد برزتا في المجال العام خلال هذه المرحلة ، بقيت الروابط القرابية الأخرى مرتكزة في وجودها على مبدأ التعاون الأسري والعائلي في ميادين الإنتاج والعلاقات الاجتماعية ، ولم تتحول إلى وحدات اجتماعية سياسية على نحو عمومي .
لقد بقيت هذه الروابط كامنة حتى مراحل الانتداب ، لتبرز معها وبعدها ، في الميدان السياسي بعد ما ارتبطت بترتيبات دستورية أو مؤسسية ، أدت إلى استيعابها كعائلات تمثل حصة الطائفة في مؤسسات الدولة ، وخصوصا في مؤسسة البرلمان الذي أتاح وفق قوانينه الانتخابية ، تفعيل الروابط العائلية المخصصة لكل طائفة من الطوائف .
لقد مثلت عائلات عدة حصة الطائفة الشيعية في المقاعد التي خصصت لها في منطقة بعلبك الهرمل ، فيما أتاحت هذه العملية نفسها للعائلات الأخرى ، ألحفاظ دوما على وحدتها ولحمتها الداخلية ، علها تصل بأحد أفرادها إلى سدة السلطة ، أو تعزز دورها في الحياة الانتخابية .
كما أتاحت العمليات التنافسية خلال الانتخابات ، مد جسور التحالفات التي تمهد لربط العائلة بأحد المواقع المستحوذة على المقعد النيابي عبر زعيمها ، أو الوجيه فيها ، لما تؤمنه هذه العلاقة من مرجعية معنوية للعائلة نفسها ولزعيمها ، ومن استفادة من حقل الخدمات التي يحتاجها أفرادها .
وبرغم أن هذه الروابط لم تكن صافية بفعل ما شهدته المنطقة التي شكلت مجال البحث من استقطابات قامت على أسس حزبية ، إلا أن هذه الاستقطابات لم تنجح في تقويضها بشكل نهائي وفعلي لأسباب متنوعة ، كان أبرزها وأشدها تأثيرا استمرار العمل بموجب الدستور وبقوانين