وظل هذا السلوك هو السائد حتى مرحلة المتصرفية حيث تحول نظام السلطة المحلية من موقع الالتزام ، إلى موقع الوظيفة الإدارية ، الذي جاء مع عهد التنظيمات ، فتغير موقع السلطة المحلية من موقع ملتزمي الضرائب ، ومسؤولية جبايتها إلى موقع الموظفين الإداريين ، المنوط بهم تطبيق أنظمة السلطة ، ومن بينها تسجيل الأرض ، وحصر الاستثمارات الزراعية الفردية منها « 1 » .
وكان نتيجة ذلك ، أن تحولت العائلة من موقعها السابق ، إلى مواقع النفوذ الإداري والإقطاع السياسي ، حيث استند النظام الجديد إلى الطوائف في التمثيل ، بعد أن استعان المتصرفون بأفراد الأسر السلطوية للإدارة الجديدة . وأصبح السلوك السياسي للوحدات القرابية التي احتلت المواقع الإدارية يتحدد عبر مد شبكة التحالف فيما بينها ، وتقسيم مراكز النفوذ ، وترسيخ تبعية الفلاحين لها .
وعلى هذا الأساس ، لعب الحيادرة في بعلبك دورا أساسيا فشغلوا مواقع إدارية هامة في مجلس القضاء ، والمجلس البلدي ، إلى جانب بعض العائلات الأخرى .
وتولت المشيخة الحمادية وأفرادها إدارة مديرية الهرمل التي كانت خارج قضاء بعلبك لتبعيتها قضاء البترون ، فاستفادت من نتائج التمثيل الطائفي ، حيث أعفيت من الخدمة العسكرية الإلزامية ، واستغلت موقعها في تجديد علاقات الولاء والتبعية إلى سلطة المشيخة ، بتمحورها حول الباشا ، الذي راح ينظم ويراقب عمليات جباية الضرائب من الفلاحين في المديرية ، فيقتطع الجزء الأكبر منها ، ويشرف على توزيع الباقي . وقد كان على الحماديين تنظيم القدرة العسكرية لأفرادهم في سبيل تنفيذ سياسة المشيخة في فرض الخوّات ، وجمعها وتقديمها إلى الباشا « 2 » . وعلى هذا الأساس ، غدا النظام الضريبي في مديرية الهرمل ، نظاما حماديا بامتياز . بمعنى أنه عمل على تجديد الانتساب إلى الولاء الحمادي ، لكون هذا الولاء ، شكل القناة الرئيسية التي اعتمدها ذاك النظام في توزيع الدخل ، وهذا يعني أن القرابة تتجدد بتجدد عملية الإنتاج .
هامش
( 1 ) وجيه كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي في تاريخ الولايات العثمانية في بلاد الشام ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1988 ، ص 82 .
( 2 ) فؤاد خليل ، التشكل العشائري في الهرمل ، مجلة الاجتهاد ، مرجع سابق ، ص 209 .