النموذج المسيطر يعتمد على الزراعة والرعي ، وبقي هذا الشكل هو نفسه حتى منتصف القرن التاسع عشر . فلم يشهد على أساسه الاقتصاد الجردي أو السهلي أي تغيير ، إذ بقيت هذه المنطقة تشكّل مجتمعا زراعيا رعويا تسود فيها الزراعة التقليدية « 1 » ، بهدف تأمين الاستهلاك الذاتي للقاطنين فيها نتيجة المردود الضعيف للإنتاج ، وبقي القطيع يشكل موردا أساسيا ويقوم بإدامة عيشها الكفافي عن طريق تأمين حاجاتها البيتية اللازمة « 2 » .
أما التوسع الحاصل فكان في تجارة الفحم ، جاء بعد ما برزت الحاجة إليه نتيجة إحلال العلاقات الرأسمالية التي قامت على أساس النقود بدل المقايضة التي شكلت سابقا عماد نظام التبادل .
وتجدر الإشارة إلى أن تجارة الفحم ، اختصت بها العشائر الجردية في الهرمل دون غيرها من الوحدات القرابية السهلية التي سكنت بجوار سلسلة الجبال الشرقية في بعلبك ، وجوار السلسلة الغربية من القرى كبدنايل ومحيطها .
وتعود أسباب ذلك ، إلى أن الجرود الهرملية كانت تمتلك مساحات شاسعة من أشجار اللزّاب والشربين والسنديان ، فلم تتعرض للاقتطاع من قبل العثمانيين بسبب ضم الهرمل إلى متصرفية الجبل بل تمتعت بالحماية الأجنبية ، فيما تعرضت الأشجار الموجودة في المرتفعات الشرقية والغربية الجنوبية للقطع . ولذلك ، لم تكن هذه المرتفعات المطلة على السهل جرداء ، بل كانت تكسوها الأحراج الكثيفة والملتفّة ، بحيث كان يصعب اجتيازها بسبب كثافة أشجار الملول واللزاب ، والبطم ، والإجاص البري ، التي سادت فوق الجبل الشرقي ، وعلى السفوح الممتدة فوق بدنايل « 3 » .
لقد قضى عليها العثمانيون بطلبهم للحطب كوقود للقطارات الحديدية ، فأعملوا فيها الفأس في أثناء الحرب العالمية الأولى ، نتيجة الحصار الذي فرض على حدود دولتهم وولاياتها بعد ما فقد الوقود من مادة الفحم الحجري ، فسخروا الأهالي في قطع الخشب وتقطيعه في أقرب محطة للقطارات قرب الأحراج ، وسميت هذه العملية ب « سفر برلك » أو السخرة الجماعية . وعلى أساسها كان يتم تجميع الحطب بعد الاقتطاع في حوش السنيد قرب بلدة طليا غرب مدينة بعلبك « 4 » ، لتقديمه كوقود للقطارات الحديدية آنذاك .
هامش
( 1 ) عبد الله حنا ، أشكال الزراعة السائدة في سوريا ولبنان : الحركات الفلاحية في لبنان وسوريا بين 1820 - 1920 ، دار الفارابي ، بيروت 1975 ، ص 120 .
( 2 ) فؤاد خليل ، التشكل العشائري في الهرمل ، مجلة الاجتهاد ، مرجع سابق ، ص 202 .
( 3 ) عبد الله سعيد ، أشكال الملكية الزراعية وأنواع الأراضي في متصرفية جبل لبنان وسهل البقاع بين 1860 ، 1914 ، مكتبة بيسان ، بيروت 1995 ، ص 144 .
( 4 ) المرجع نفسه ، ص 145 .