أفضت هذه التطورات ، إلى توطيد العلاقات التجارية بين مختلف مناطق سوريا ولبنان وفلسطين من جهة ، والمناطق الزراعية التي تمدها بالمواد الأولية والسلع الغذائية وتتلقى منها السلع المصنّعة من جهة ثانية .
إن آثار تطور هذا الشكل الأولي للسوق الداخلية والإقليمية ، من خلال تقسيم العمل والتخصص ، ونمو الإنتاج السلعي الصغير ، سوف يظهر عبر نمو فئتين من البلدات في بداية القرن التاسع عشر . فكانت بلدات في مناطق كالنبطية وزحلة ودير القمر قد دانت بنموها للمناطق التي تشرف عليها ، ولموقعها كنقطة اتصال بين مناطق متكاملة ، وكمحطات على خطوط سير طويلة بين الساحل وجبل لبنان والداخل السوري . وهناك بلدات أصغر حجما تخصصت في مهن ومنتجات معينة لسوق واسعة نسبيا كصناعة السكاكين في جزين ، والدباغة في مشغرة ، وصناعة الحرف والخزف في راشيا .
وفي البقاع ، كانت زحلة قد أصبحت ملتقى خطوط تجارية ومركز تخزين لزروع البقاع ، وسوقا مهما للبدو العرب والأكراد ، الذين يبادلون فيها ماشيتهم مقابل منتجات الصناعة الحرفية اللبنانية « 1 » .
وتدريجيا تكونت نواة برجوازية تجارية مرتكزة على السوق الداخلية والإقليمية ، حيث تحول أفرادها إلى أصحاب مشاغل حرفية ، وآخرون إلى تجار في بيروت وطرابلس ، فأمّنوا تصدير هذه المنتجات من حرير وزيت زيتون وصابون إلى مصر وتركيا ، وصرّفوا في الداخل المنتجات الغالية المشتراة من التجار الأوروبيين . ومن خلال هذه الوسائل ، بلغت هذه البرجوازية التجارية الداخلية نموها في منتصف القرن التاسع عشر ، وحققت تراكما جوهريا عمدت إلى تحويله إلى رأسمال صناعي ومالي .
فمع انتشار الانتاج السلعي ، راجت في جبل لبنان زراعة التوت حيث كانت أكثر أراضي المتصرفية المزروعة بعد عام 1861 ، منصوبة بأشجار التوت ، فشكلت أكثر من 62 % من صادرات المتصرفية « 2 » .
وأما في منطقة بعلبك الهرمل ، فقد حافظت الأوضاع الاقتصادية على خطها التقليدي فبقي
هامش
( 1 ) المرجع نفسه ، ص 67 .
( 2 ), esianabiL ? etisrevinU , L ed snoitacilbuP , nabiL ud euqimonocE eriotsiH , l ? a noitcudortnI , ikabaL sortuoB . 534 . p , 4891 htuoryeB