الفرنسيين ، أما الاتجاه الآخر الرافض للانتداب والمنفتح على الخيارات العروبية ، فمثله سعيد حيدر عبر تحالفه مع الأمير فيصل ، ولم يغير في مواقفه إلا بعد انحسار الثورة عقب معركة ميسلون التي حسمها الفرنسيون لصالحهم وبعد دخولهم إلى منطقة بعلبك ، مما دفع الحيادرة إلى الالتفات نحو الداخل والاندراج في توازنات النظام الذي استحدثه الفرنسيون ، لتعيد بذلك إنتاج موقعها السلطوي ، مما أعفاها من مساندة توفيق هولو حيدر في ثورته التي تحالفت مع الشهبندر في سوريا .
وأما الحماديون فقد أظهروا تماسكا قرابيا بين العامودين الشمصي والزعيتري على قاعدة المطالب الكيانية ، غير أنه سرعان ما بدؤوا بالانقسام مع بروز حلف عشائري مناوىء للزعامة الحمادية ومؤيد للتوجهات العروبية . لم تعان العشائر الحمادية مع بداية دخول الفرنسيين من الانقسام ، بسبب قدرة زعيم الحماديين محمد سعيد على توحيدها ، إذ لا زال حتى ذلك الحين يحظى باحترام وتقدير العشائر . وبعد وفاته لم يكن ابنه سعد الله يتمتع بنفس مهابة والده ، كما أن العشائر شعرت بفقدان الدور الذي لعبته قبل دخول الفرنسيين حين كانت تقوم بدور سلطوي عبر تحصيل الضرائب ، لذلك ما إن وجدت الفرصة باتت مهيأة مع وجود حليف خارجي يتيح لها انتاج سلطتها من جديد - فيما لو قيّد لها النجاح - حتى مدّت يدها لمساندته ولم تتراجع في مواقفها إلا بعد استخدام السلطات الانتدابية لسياسة الترغيب والترهيب ، وبعد تقطيع أوصال الثورة في المناطق مما حال دون استمرارها .
- شكلت المرحلة التي أعقبت نشأة الدستور وانتهاء الثورة السورية ، بداية تحوّل الوحدات القرابية نحو الاندراج في الاتجاه الكياني على قاعدة اللحمة الداخلية وبالتوحد حول زعيم واحد للحيادرة وآخر للحماديين ، وبعد ما وفرت قاعدة التمثيل الطائفي بشكل أساسي الفرصة لمعاودة إنتاج مواقع السلطة القرابية .
وأما السبب الآخر فتمثل في غياب الحليف الخارجي الذي يمكن أن تستند إليه ، والذي برز بعد هزيمة الثورة السورية بزعامة سلطان الأطرش ، ومعاناة العشائر وعائلة الحيادرة من انقسامات داخلية ، فضلا عن عدم قدرة كل من الاتجاهات المؤيدة للثورة داخل الحيادرة والحماديين ، من مدّها وتوسيعها خارج وحداتهم القرابية . وقد أدى ذلك إلى الارتداد نحو أحضان العائلة والعشيرة ، إيذانا بالعمل السياسي من داخل توازنات النظام .
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 142
مساهمون: غسان فوزى طه
ص١٤٢