لم تنته الحرب بين السلاجقة فالنصر الذي أحرزه بركيارق لم تدم نتائجه طويلا . لقد كان من نتائج هذا النصر أن أقبل الناس على بركيارق فاستطاع أن يجمع جيشا مكونا من مئة ألف مقاتل ! .
وهنا نعود إلى ما قلناه من قبل من أن استصراخ العالم الإسلامي كان ممكنا ، وأن تأليف جيش قوي كبير يضم مئات الألوف يزحف للقضاء على الصليبيين كان مستطاعا لو كان هؤلاء القاذة مخلصين للإسلام مهتمين بحاضر المسلمين ومستقبلهم .
فإذا كان بركيارق قد جمع حوله مئة ألف مقاتل ، من أجل هدف تافه لا يعدو أطماع الدنيا ، فإنه مستطيع أن يجمع أضعاف هذا العدد من أجل هدف سام ، لو كانت له أهداف سامية ! . وما أبعد هؤلاء السلاجقة عن الأهداف السامية ! .
على أن بركيارق بعد أن تحقق له النصر لم يفكر بعيدا ، ولم يعد لهذا الجيش ما يكفل له دوام التجمع ، والواقع هو أن مثل هذا الجيش كان يجب أن يكون له هدف واضح كبير يكفل استمرار بقائه ، ولكن لا السلطان كان يملك هذا الهدف ، ولا من هم حول السلطان كانوا يملكونه .
ففوجئوا أول ما فوجئوا بفقدان الحيرة ، فلم يحاولوا تلافي أمر فقدانها ، لفقدان الهدف ، لذلك أخذوا يتفرقون فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه في الحلة .
وقامت ثورة على السلطان بركيارق بقيادة الملك مودود بن إسماعيل بن ياقوتى بأذربيجان ، فسير إليه كربوقا في عشرة آلاف فارس .
دائما هذا الاسم الكريه كربوقا أمامنا ، ودائما هو في صميم الأحداث ، لا يلويه عنها الخزي الذي لحق به في أنطاكية ، ولا العار الذي جلله بفتحه باب بلاد الشام أمام الصليبيين ليلجوا منه إلى فتح القدس .
واستأذن الأمير ( آياز ) في أن يقصد داره بهمذان يصوم بها شهر رمضان ويعود بعد الفطر فأذن له ، وتفرقت العساكر لمثل ذلك ، وبقي بركيارق في العدد القليل .
على أن بركيارق فوجيء بأن أخويه محمد وسنجر قد جمعا الجموع ، وحشدا الجنود ، وأنهما لما بلغهما تفرق ما كان لديه من جيوش جدا في السير إليه ، مسرعين
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 88
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٨٨