قلنا أن طغرل بك هو الذي بدأ بالتحرش بالفاطميين الذين كانوا في أيامهم الأخيرة ، بأن كاتب المستنصر في القاهرة طالبا إليه الدخول في طاعته .
ونريد أن نزيد الأمر إيضاحا وتفصيلا فنقول :
إن الدور الفاطمي كان قد انتهى قبل الزحف الصليبيي بما يقارب ربع القرن ، وأنه لم تكن هناك خلافة فاطمية حاكمة عند ابتداء الغزو الصليبيي ، وأن سلطنة هذه الخلافة كانت قد انتهت بفعل التسلط الجمالي ، وقيام الدولة الجمالية ، وأصبح الخلفاء سجناء قصورهم ، لا يملكون من الأمر شيئا ، كما سنفصله في الآتي من القول .
ونحن نريد هنا أن نوضح حقيقة أخرى ، وهي أنه لم يقم صراع بين الفاطميين والسلاجقة ، لسبب واحد ، لأنه لم يكن هناك حكم فاطمي يصارع السلاجقة ويزاحمهم على امتلاك البلاد ؛ لأن الحكم الفاطمي عند بدء الهجمات السلجوقية على بلاد الشام ، كان قد بدأ بالانهيار ، ثم انهار فعلا بالتسلط الجمالي .
وإن الموقف الفاطمي الوحيد في مواجهة السلاجقة كان في أواخر عهد المستنصر ، عندما بدأ تضعضع حكم المستنصر واضحا في سنة 446 ه بسيطرة المجاعة على البلاد ومحاولة المستنصر استيراد القمح من بلاد البيزنطيين ، واشتراط الإمبراطورة البيزنطية ( تيودورا ) عليه أن يمدها بالجنود إذا ما اعتدى على بلادها أي معتد ، وكان المفهوم أن هذا المعتدي المفترض وجوده هو السلاجقة ، فبالرغم من حراجة موقف المستنصر في بلاده وما تهدده به المجاعة فقد رفض هذا الشرط لأنه يأبي أن يعين البيزنطيين على المسلمين . .
ولما اشتد الأمر عليه حاول أن يحقق طلبه القمح بقوة السلاح ففشل .
والسلاجقة الذين رفض الخليفة الفاطمي المستنصر أن يعد الإمبراطورة البيزنطية بمعاونتها عليهم ، لم يأبوا أن تحالفوا مع الإمبراطورة عليه وأن يستغلوا الموقف فيتقربوا منها ! . .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 54
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٥٤