إذا فقد خطب ابنة السلطان وعقد عليها وهو في السبعين من عمره . فلا بدع أن يقنع من عروسه بالنظر إليها من خلف الخمار . . . وأن يكون هدفه من هذا الزواج امتهان شموخ بيت الخلافة ، والإدلال على منافسيه ، بأنه وصل إلى ما لم يصل إليه أحد .
وإذا كنا قد حرصنا على ذكر هذا العرس العباسي السلجوقي ببعض تفاصيله ، فلأن فيه نماذج من علاقات السلاطين السلاجقة بالخلفاء العباسيين .
ونلاحظ هنا أن ما ربط سلطنة طغرل بك بخلافة القائم بأمر اللّه كان سبع سنين وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما .
يرثي ابن الأثير السلطان طغرل بك قائلا : كان عاقلا حليما من أشد الناس احتمالا ، وأكثرهم كتمانا لسره ، وكان يحافظ على الصلوات ، ويصوم الاثنين والخميس ، وكان لباسه الثياب البيض ، وكان ظلوما غشوما ، قاسيا ، وكان عسكره يغصبون الناس أموالهم ، وأيديهم مطلقة في ذلك نهارا وليلا . وكان كريما . . ( انتهى ) .
وحين نعود إلى ما رثى به ابن الأثير الملوك البويهيين - وهو ما مر بعضه - ونقارنه برثائه لهذا الملك السلجوقي ندرك البون الشاسع بين الحكام البويهيين والحكام السلاجقة ، فابن الأثير لم يقل عن أحد من البويهيين أنه كان ظلوما ، غشوما ، قاسيا ، ولا قال : كان عسكره يغصبون الناس أموالهم وأيديهم مطلقة نهار وليلا .
بل قال عن معز الدولة مثل هذا القول - وهو يتحدث عن انتصاره - : ونادى في الناس بالأمان وبث العدل وأقام لهم شحنة يمنع الظلم .
ويقول عنه : كان حليما ، كريما ، عاقلا .
ويقول عن ركن الدولة : كان حليما ، كريما ، واسع الكرم ، كثير البذل ، حسن السياسة لرعاياه ، وجنده ، رؤوفا بهم ، عادلا في الحكم بينهم ، وكان متحرجا من الظلم مانعا لأصحابه منه عفيفا عن الدماء ، يتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 50
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٥٠