التوقي . فبصرت بموكب الخليفة وقد أقبل في أفواجه ، كأنه البحر في أمواجه . فنزلت وتقدمت إليه ، وقبّلت الأرض بين يديه . فوقف لأركب إشفاقا عليّ من الزحمة ، وكانت فطرته مجبولة على الرأفة والرحمة . وقال له مخلص الدين ابن الكيا الهراسي : هذا الذي يقول في أمير المؤمنين من قصيدته ، كأنه يصف هذه الحالة :
لما شفعت العزم وهو مؤيد * بالحزم أسفر بالمنى منك السفر
وبرزت مثل الشمس تشرق للورى * وسناك يحجب عنك ناظر من نظر
بمظلة سوداء تحكي هالة * وجه الإمام يضيء فيها كالقمر
وقال الوزير : هذا صاحبي وقد وليته ، وأصحبته وأوليته . وبهج بخدمتي ونجح ، وبذخ بنيابتي ورجح . فوصّى الإمام وزيره بي ، وأعجبه سمتي وأسلوبي . وسار على رسله ودخل إلى دار الديوان ، وجلس ساعة في الإيوان . ثم قام وجلس الوزير في الدست ، وكتب ووقع ، وقال وأسمع . والناظر حينئذ في واسط الأمير شمس الدين أبو الفضائل فاتن ، وهو من أكابر الخدم الذين لهم المزايا والمزاين . ثم انتقل الخليفة إلى سرادقه ، والوزير إلى مضاربه ، ونزل أرباب الدولة كل منهم على مراتبه .
قال : وحضرت بميدان واسط ، والمقتفي رضي اللّه عنه حاضر ، ومعه أولاده ولي العهد المستنجد يوسف ، وأبو علي ، وأبو أحمد ، وولده المستنجد أبو محمد . وهو المستضئ الذي تولى بعده ، ولعبوا بالكرة . ولم يلبث بواسط ثلاثة أيام ، حتى عاد إلى بغداد سريعا ، وكان وصوله للانحدار إلى الغراف ، فزاد الماء زيادة منعت العبور ، فرجع على نية الرجوع . وعند عودته غرقت بغداد ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة 554 ه ، وذلك لأن الماء زاد في تلك السنة على خلاف عادته . وتهور به بثق القورج وتقور ، وغلب وبلغ السور من صوب الظفرية وتسور . وطاف بتلك النواحي طوفان نوح ، وراح شبح كل بناء بغير روح . وكان ذلك منظرا هائلا ، وقدرا نازلا . وطارقا كثرت طرقه ، وفتقا عسر رتقه . وركب الوزير وأرباب الدولة فصدوه وسدوه ، وردعوه وردوه ، واتفق أنه نقص ووقف . وغرق من ذلك الماء العظيم غرف . ولما انصرم الصيف وانكسر الحر ، وصل المقتفي إلى واسط مرة أخرى ، وانحدر إلى ناحية الغراف ، وعزل عن ولايتها ظفرا خادمه ، وولاها أبا جعفر