بعد ذلك بسنتين سمرقند ، وأجنى جناها الجند . وذلك بعد تطويل حصر ، وتضييق عصر . وكان صاحبها أحمد خان ، الكبير الشأن ، الأثير السلطان . وهو الذي كان له اثنا عشر ألف مملوك تركي ، وكان لا يترك غزو الترك ، يتوغل في بلادهم مسيرة شهرين ، وينثني ظافر اليد قرير العين . ثم أصابته علة الفالج ، وأعيى طبه على المعالج .
وبقي سنجر ستة أشهر يحاصره ، ويضايقه ويصابره . إلى أن أخرج إليه أحمد خان ، في محفة يحملها الغلمان . فأجلس بين يديه ساعة ، وهو لا يجد للكلام استطاعة ، ولعابه سائل ، وشدقه مائل . ثم حمل إلى دار الحرم للقرابة التي بينه وبين تركان خاتون زوجة سنجر ، وولي نصر خان مكانه ، وأحيا به سلطانه .
ثم غدر صاحب غزنة الملك بهرامشاه بعهد سنجر ، ونكل عن ضمانه ، فعزم على التوجه إلى غزنة ثانيا ، ولأعنة جيوشه وجنوده إليها ثانيا . ونهض إليها ، ولما بلغ إلى بست ، عسر عليه الوصول ، وحالت الوحول . وتعذرت العلوفات ، وكان التبن أعز من التبر ، والشدة جاوزت حد الصبر . فما اكترث بذلك وتهور ، وأقدم فبهر بهرامشاه رعبة ، وأبعده إلى لهاوور قربة . ووصل سنجر إلى غزنة مغيرا ، ولكأس الدوائر عليها مديرا . وسلبت أموال وأرماق ونهبت محال وأسواق . ولما انحسر الشتاء ورتب أمور غزنة ، عاد إلى خراسان . ولما توفي أخوه السلطان محمد بالعراق في سنة 511 ه ، وتولى ابنه محمود السلطنة ، وحدثت تلك الحوادث ، احتاج سنجر إلى الإمام بالعراق ، فجرت الوقعة التي قدمنا ذكرها ، وأوضحنا عرفها ونكرها . وما عاد سنجر إلا وقد خطب له بالعراقين وبالشام والموصل وديار بكر وديار ربيعة والحرمين ، وضربت الدنانير باسمه في الخافقين .
ويلقب بالسلطان الأعظم معز الدنيا والدين ، وولىّ ابن أخيه محمود بن محمد عهده بالعراق ، ونعته بمغيث الدنيا والدين . وقد ذكر وصول سنجر إلى العراق في أيام محمود نوبتين ، وفي عهد طغرل وفي عهد مسعود دفعتين ، ولكنه في زمان مسعود لم يتجاوز الريّ .
ذكر وزراء السلطان سنجر بخراسان
قال - رحمه اللّه - : كان من كتّابه المخصوصين به في صغره العميد أبو الفتح بن أبي الليث ، وصل معه إلى بغداد في ثامن شوال سنة 489 ه ، ومع سنجر أتابكه كج كلاه ،