ويضيف ابن الأثير إلى ذلك قائلا : وخرب السواد وأجلي أهله عنه . هذه هي فاتحة أعمال السلاجقة في العراق التي عاملوا بها العراقيين جميعا السنيين منهم والشيعة .
على أنهم لم ينسوا أن يخصوا الشيعة الذين لم يشاركوا في الثورة عليهم ، وحموا جنودهم من القتل وآووهم في دورهم ، لم ينسوا أن يخصوهم بنوع من الجور لا يطال غيرهم . فالشيعة لا يقولون في آذان السحر : ( الصلاة خير من النوم ) ، بل يقولون بدلا عن ذلك ( حي على خير العمل ) .
فإذا بأوامر طغرل بك من أول يوم تندخل في شؤونهم المذهبية وتفرض عليهم أن يتركوا حي على خير العمل ، ويبدلوها بالصلاة خير من النوم .
في حين أن البويهيين الذين طال حكمهم في بغداد والعراق لم يتدخلوا في مثل هذه الشؤون ، وتركوا الناس أحرارا في طقوسهم المذهبية .
وسينال الشيعة ما هو أشد من هذا وأفظع .
طغرل بك في العراق
استقر طغرل بك في بغداد وأمضى فيها ثلاثة عشر شهرا وأياما دون أن يلق الخليفة . وقد كان في هذا تجاهل لمقام الخلافة واستهانة بالخليفة .
وهذا الخليفة الذي تآمر مع السلاجقة على البويهيين ، عامله السلاجقة بالمهانة منذ اليوم الذي دخلوا فيه بغداد ، كما رأينا فيما تقدم من الأحداث . وتوالت هذه المهانة إلى الحد الذي لم ير فيه الملك السلجوقي أن عليه أن يزور الخليفة ! . .
وإذا كان ما لقيه الخليفة هو المهانة ، فإن ما لقيه الشعب هو الإذلال والإفقار .
يقول ابن الأثير : ( طال مقام السلطان طغرل بك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره ، وضاقت عليهم مساكنهم فإن العسكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور ) .
هذه الصورة الموجزة في كلامه ترينا واقع الحال التي كان عليها أهالي بغداد في حكم السلاجقة : الجنود يشاطرونهم السكنى في دورهم .