لاختلاف رأيهما ، واختلاط أهوائهما ، لم يستقم تدبير ولم يتدبر تقويم ، ولم يتضح في المصلحة تأخير ولا تقديم . ودرج الوزير الربيب في تلك الأيام ، وسكن في حمى الحمام .
وتولى الوزارة كمال الملك أبو الحسن علي بن أحمد السميرمي ، وذلك في سنة 512 ه ، وذلك قبل المصاف بين السلطانين بثلاثة أيام وجرى أمره على نظام ، في غير وقت انتظام . وكان العسكران مشغولين بالتعبية . فلما التقى الجمعان ، واختلط النقعان انهزم عسكر محمود وكسر جيشه ، وانكسر جأشه . ولما ضل عن النار فراشه ، ظل كأنما على النار فراشه . وقتل في المعركة جماعة مبّرءون ، وسلم المجرمون فلما أصبح السلطان سنجر ، سأل عن ولد أخيه ، ولم يحمد ما كان من تأخره عن حضرته وتراخيه . فأرسل إليه رسولا لقبض زعره ، وبسط عذره ، وإنه يؤثر حفظه في قلبه ، والأنس بقربه وتنفيس كربه . وإنه يتدارك ما فرط بالتلافي ، وإنه يتم التقصي عن عهدة تلك الهنات بالتصافي . فاستخر اللّه ولا تستأخر ، واستأثر لقاء من على لقائك لم يستأثر .
وكان أحاط أولئك المذمومون بالسلطان محمود لا يهدونه إلى الصواب ولا يصوبونه إلى الهدى . ويصدون عنه ريّ الري ، ولا يروون منه الصدى . وكان قد سبق أبو القاسم الدركزيني صاحب الأمير علي بار الأعظمي ، فحضر لإصلاح أمر صاحبه ، وأحضر قدرا من المال الذي اختزله من الخزانة السلطانية فنثره وبذره . وقدم الرشى حتى أمن ما حذره . وأراد أن يكون هو المتوسط في الصلح والصلاح . والمتحدث في الإنجاز والإنجاح . وكان السلطان يؤثر أن لا يطول مقامه فتثقل وطأته ، وتكثر مضرته .
ولم ير أن يترك البيت متداعي البنيان غير معمود . ويريد الانصراف راشدا وقد طالت عليه غيبة محمود . وما صدق بحضور الدركزيني على بابه ، وظن أنه قد حصل من النجح على لبابه . فأمر بإحضاره ، فلما بصر به قال : " أين علي بار ، فإنه لأمر ولدي ضمين " فتلا " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " قال " فأين ولدي " قال " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ، وإنه يسعه عطفك وعرفك " .
فندبه إلى أصفهان لإحضارهم . وأجرى الأمور على إيثارهم . فبلغ الوزير كمال الملك السميرمي أنس الدركزيني بالحضرة السنجرية ، وأنه واصل بالجرأة . فسبق بالرأي ورأى السبق ، وأن يكون هو الذي يتولى بالرتق والفتق . فقال للسلطان " هذا عمك في مقام والدك ، وله عليك حقوق ، وعصيانه عقوق . ومن حسن الأدب استعطافه ، واستجداد
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 266
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٦٦